الجسر العظيم يدحر الإرهاب المقيم

الرد البليغ على الإرهاب الظلامي الهدّام هو الدفع بالتنوير والإعمار إلى الأمام.
الاستنفار الذي نعيشه نحن العرب هذه الأيام، هو رد فعل طبيعي ومفهوم لأمة تتعرض لتهديد وجودي، فعدونا الآن لم يعد المستعمر القديم الذي لا يريد إلا نهب ثرواتنا، بل صار الإرهاب الجديد، الذي يستهدف استئصال كل من يختلف معه في الرأي أو المعتقد، والحلول محل الأنظمة السياسية في دولنا الوطنية، التي يخطط لهدمها، والقضاء التام على أسلوب حياتنا الذي ارتضيناه لأنفسنا..
ولكن السؤال الأهم الآن هو: هل اخترنا الأسلحة الصحيحة المناسبة لمواجهة هذا الإرهاب؟
أم أننا ما نزال غارقين في الوهم الذي يصور لنا أن الإرهاب محض تهديد أمني وعسكري، يكفي لمواجهته أن نخصص له الكتائب والفيالق، وأن نزود جنودنا بالسلاح الحديث، وبكتيب تعليمات ينص على التكتيكات المعتمدة لخوض حرب العصابات التي لا تبرع فيها الجيوش النظامية؟
علينا أن نفهم أن الإرهاب يمثل أحد أعقد الظواهر في تاريخنا المعاصر، وأن تفكيك بنيته الداخلية العميقة، ومواجهة منطقه الظلامي، لا يمكن إلا بمنطق تنويري حداثي مضاد، وهو ما لا يمكن أن يحدث بينما نحن نضيق على الإبداع، ونسمح بملاحقة المفكرين التنويريين، بتهم المروق عن صحيح الدين، ونعتبر الفن جريمة أو يكاد!
إن تجفيف منابع الإرهاب لا يكون إلا بدفع مفكرينا التنويريين قدما إلى الأمام، ليتصدروا المشهد، ويعلموا الناس أساسيات التفكير النقدي، وليواجهوا عتمة العقول، بضوء المنطق الإنساني السليم، الذي لا يدفعه الاختلاف في الرأي إلى القتل!
ودون ذلك فإننا نحرم أنفسنا من السلاح الأهم في حربنا على الإرهاب، وندفع بأنفسنا إلى صدام غير متكافئ، يواجهنا فيه عدو بكامل تسليحه وعدته وعتاده، بينما نحرم أنفسنا من معظم أسلحتنا المؤثرة، ونبقيها حبيسة البيوت والمعتقلات والمنافي، وأعني بذلك فنانينا وأدباءنا وفلاسفتنا ومفكرينا..
إذ لا تستطيع حكومة أن تحارب الإرهاب والإبداع في نفس الوقت، وأن تعادي الإرهاب والفن معا، وأن تلاحق دعاة التشدد والتطرف ودعاة الوجودية ومفسري ما بعد الحداثة في الآن ذاته!
إن إطلاق طيور التنوير والإبداع والفن والفكر النقدي من أقفاصها شرط لازم لنجاح أي محاولة جادة لحبس طيور الإرهاب والظلام.
لكنّ لمعركتنا مع التطرف والإرهاب وجها آخر لا بد لنا من الالتفات إليه أيضا، فالإرهاب ظاهرة هدامة بطبيعتها، تقتات على آلام الناس وتعاساتهم، وتنمو كلما ازداد الفقر واتسع الجهل واستشرى المرض.
والإرهاب إنما ينمو ويزدهر كلما تفرقنا نحن وتشتتنا، وبقدر ضعف الروابط بين العرب، يخرج هو من بين الشقوق البينية، ويتمدد باتساعها، ويشغل كالخلية السرطانية كل فراغ نتركه نحن فاصلا بيننا.
ولذا لا تستغربوا مني حين أطرح فكرة إحياء المشروع العربي العملاق (جسر الملك عبدالله) الذي سيربط بين الدولتين العربيتين الكبريين، مصر والسعودية، كسلاح رئيسي في أيادينا لدحر الإرهاب.
فهذا المشروع العملاق الذي بدأ الحديث عنه في 2006 وأطلق عليه الرئيس المصري السابق محمد حسني مبارك الرصاصة القاتلة التي أجهضته، بدعوى انتهاكه للطبيعة السياحية الفاخرة لمدينته المفضلة شرم الشيخ، هذا المشروع الذي يوصف بأنه أحد أكثر المشاريع الهندسية طموحا في القرن الحادي والعشرين، والذي سيجعل التنقل بين مصر والخليج لا يستغرق إلا عشرين دقيقة بالسيارة، والذي رأى فيه خبراء الاقتصاد منجما للذهب يمكنه أن يغطي تكاليفه المفترضة (3 مليارات دولار حينذاك) خلال أعوام قلائل، ويضاعف من التبادل التجاري بين دول الخليج وقارة أفريقيا بأسرها، هذا المشروع التكاملي الداعم للازدهار الاقتصادي في الإقليم كله، هو سيفنا البتار في مواجهة الإرهاب، ولا بد من تنفيذه بأسرع وقت ممكن.
ومبرراتي بسيطة وواضحة؛ فاللحظة الراهنة هي لحظة دفء كبير في العلاقات المصرية السعودية، مما سيسهل اتخاذ القرار على القادة وإقناع الشعوب به، ويمكننا اللجوء لمكاتب استشارية عالمية، تنصحنا فيما يتعلق بتخفيف الأثر البيئي السلبي لهذا الجسر، على الطبيعة الجميلة الهشة لتلك المنطقة.
وحين ترتبط جزيرة العرب بسيناء برابط من حديد، وحين أستطيع ركوب سيارتي من طنجة، لأصل بها إلى جدة على طريق عربي واحد، وحين نثبت لأنفسنا وللعالم أننا أهل بناء وتعمير وتنمية، فإننا بجسر الملك عبدالله الذي أدعو لإنشائه بأسرع وقت ممكن، بهذا الجسر العظيم ندحر الإرهاب المقيم!