القيمة الأجل

من أجلّ القيم وأعلاها شأنا قيمة العطاء والبذل دون انتظار مقابل مادي أو معنوي، وهي قيمة متصلة بالأفق الإنساني الرفيع الذي قد يصل إليه الإنسان، والذي يتوجه ويرقيه وينقيه ملاحظته للآخرة وثوابها، فهو يحقق بها ذاته وإنسانيته الفطرية السوية، وهو يجمع الحسنات والأجور الأخروية في الوقت نفسه، وإذا استقر على هذا المسلك وجد للحياة طعما ومذاقا جميلا لا يشبهه شيء، ولهذا المعنى كان الكرم وهو من صور العطاء الرفيعة محمودا على الدوام، وكان ساترا للعيوب ورافعا لمقام صاحبه في مراتب الشرف، وهو للكرماء خلق نفسي ومتعة حياتية حتى يكون عجز الكريم عن العطاء لأي عارض من أعظم أسباب ألمه وضيقه وتكدر حياته.
ومن نظر للعطاء في المفهوم الإسلامي وجده واسعا سعة الحياة كلها وليس منحصرا في العطاء المالي فقط كما قد يظن بعض الناس وإنما هو ممتد لكل صور النفع التي يقدمها المرء لغيره في الدنيا والآخرة، ولذلك جاء العطاء في كتاب الله بهذا الاتساع فلم يربط بباب واحد قال تعالى «فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى».
والعطاء هو روح المجتمعات وسر وحدتها وألفتها ونهضتها، فهو عنوان التآلف والصفاء والتقارب والرحمة، وليس من شك أن مجتمعا تشيع فيه هذه الروح سيكون قادرا على الصمود والبقاء والثبات في مواجهة الصعاب والمحن، وسيكون ولاء أطرافه له حاضرا لأنهم جميعا ينعمون فيه بالخير، ومن طبيعة النفوس حينئذ أنها تميل وتقبل على من أولاها المعروف ووجدت عنده حاجاتها .
ولهذه المعاني كان تمجيد العطاء والثناء على أهله مطلبا اجتماعيا مع فتح الأبواب لشيوع ثقافته في الناس عبر المداخل العديدة التي تؤدي إليه، ومن أشهر ذلك أن تكثر المؤسسات المدنية التطوعية في المجتمع لتستوعب رغبات الناس المتنوعة في مشروعات عملية جادة . ولا شك أن كثرة هذه المؤسسات والجمعيات في مجتمع ما تعد مؤشرا حقيقيا على ما يتمتع به أفراده من روح العطاء والبذل والعكس بالعكس، كما أن تنوع مجالاتها يعد دليلا على مستوى وعي المجتمع بسعة مفهوم العطاء واستيعابه لجوانب الحياة المختلفة، فإذا تحقق ذلك فإننا سنكون أمام حالة رحمة وولاء وتعاون من شأنها أن تعزز وحدة المجتمع وتقوي روابطه وتضعف من فرص انقسامه أو انهياره.