كالعادة.. "الحسم غير معهود"

من خلال معطيات ما أسفر عنه اجتماع وزراء الخارجية الخليجيين بات واضحاً أن الدوحة قد تراجعت عن ممارسة “سياسة الهروب إلى الإمام”، في خلافها مع دول خليجية، وأن خياراتها وسياساتها التي وصفت بالمضادة لاستقرار المنطقة، والتي كانت مثار غضب الرياض وأبوظبي والمنامة أصبحت أمراً عصيباً في ظل الظروف الراهنة التي تمر بها المنطقة. فسياسة “العناد القطري” التي وصفت في وقت سابق مطالب الدول الخليجية الثلاث بأنها مستحيلة التحقيق “على لسان سفيرها القطري في واشنطن محمد الكواري” باتت وشيكة التحقيق.
كثيراً ما حاولت قطر التهوين من شأن خلافها الجوهري مع دول خليجية عبر تصنيفه في خانة الاختلاف، لكن الحقيقية أن الخلاف كبير وعميق، قابلته الدول الثلاث بحزم وبسياسية “إن لم تكن معي فأنت ضدي” وأن “السيل بلغ الزبى”، وهذا ما لم تتوقعه الدوحة، لكن مع ذلك كانت القنوات الدبلوماسية مفتوحة، قادتها الكويت كوسيطة وأكملتها السعودية بجولة أخيرة عبر وفدها الرفيع للدول الثلاث (الدوحة والمنامة وأبوظبي) والتي أعتقد أن نتائجها كانت مريحة لكل الأطراف الخليجية.
ومع ارتياحنا لما شهده الاجتماع الأخير لمجلس وزراء الخارجية الخليجيين، فإننا لا نستطيع القول: إن الأزمة الخليجية مع قطر قد انتهت، كما صرح به وزير الشؤون الخارجية العماني يوسف بن علوي بن عبدالله. أعتقد أن الأمور لم تحسم بعد، وإنما هناك وعود من قبل القطريين بتنفيذ مطالب الدول المختلفة مع سياساتها، فالحسم ليس معهوداً في المواقف الخليجية، لذا فالواضح أن دول الخليج قررت تأجيل اتخاذ أي قرارات مع قطر في ظل التأكد من خلال التجربة أن قطر لن تلتزم بأي اتفاقات “شفهية” حتى وإن أسفرت الاجتماعات عن موافقة قطرية مبدئية على التزام الدوحة تطبيق المعاهدة الأمنية بين دول المجلس، ووقف ملف “التجنيس”، ووقف المحرضين ضد دول خليجية.
أما الحديث عن عقوبات أخرى مشددة إذا لم تلتزم قطر بالاتفاق فأعتقد أنه أمر مستبعد “الآن” نتيجة لعدة أسباب على رأسها ضغط الشعوب الخليجية من أجل التوافق، والخوف من توجه قطر نحو سياسات أكثر قسوة. فالابتزاز القطري له أدوات سياسية تدخلية، لا تمانع الدوحة من استخدامها مع أشقائها من دول الخليج. أخيراً، نتمنى أن تعود دولة قطر الشقيقة إلى رشدها وتعود إلى الحضن الخليجي، فحديثها عن أن منطقة الخليج بحاجة إلى التنوع في “الرؤى السياسية” وأن كل دولة لها الحق في دعم ما تراه مناسباً لمصالحها، لا أعتقد أنه يتناسب مع هذه المرحلة الحرجة، فالصراع القائم في المنطقة العربية يستوجب سياسة خليجية موحدة.

 

IbrahimAlfarhan@