الجنوب اليمني وخيار مسارات استعادة الدولة
السبت، ١٤ فبراير ٢٠١٥القضية الجنوبية تعد من أهم القضايا المحورية باليمن منذ ٢٠٠٧، عندما سعى الحراك لتحقيق مطالب حقوقية إثر عمليات الإقصاء التي تعرض لها مسؤولين وضباط جنوبيين بعد حرب 1994 من قبل نظام الرئيس السابق علي عبد الله صالح.
ويبدو بعد الانقلاب الدستوري للحوثيين أن مسار الجنوب يتجه نحو حل يتسم بتحقيق شكل من الاستقلالية، ليس بالضرورة أن يأخذ شكل الانفصال، إلا أنه بالإمكان أن تتحقق فيه إدارة مستقلة لشؤونه بعيداً عن الشمال.
دعوات مختلفة
منذ ثورة فبراير الشعبية 2011 ضد الرئيس السابق أصبحت القضية الجنوبية حاضرة وبقوة على الساحة اليمنية وعلى طاولة الخارج الإقليمي والدولي.
وبرزت دعوات مختلفة لحلها، منها من يقول بحلها تحت سقف دولة واحدة، أو من خلال دولة فيدرالية بإقليمين شمالي وجنوبي، وثالث بفصل الجنوب كلياً عن الشمال واستعادة دولة الجنوب (جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية)، بينما ظهرت مؤخراً دعوة لعودة الجنوب العربي التي لا تعترف بيمنية الدولة.
في المقابل، يصر الرئيس السابق لدولة جنوب اليمن نائب رئيس دولة الوحدة حتى 1994 علي سالم البيض على رفض كل مبادرات الحوار من أجل حل القضية الجنوبية، ويتمسك بالدعوة إلى الانفصال الأحادي عن صنعاء، مستنداً، إلى دعمٍ حصل عليه من إيران.
ويبدو سيناريو الانفصال الذي رسمه علي البيض أمراً شديد الخطورة في ظل المعطيات الجديدة بانقلاب جماعة الحوثي على شرعية الرئيس هاي وحكومته.
الحوار الوطني
ويمكن القول أن اليمنيين جميعاً اتفقوا على أن حل القضية الجنوبية بأبعادها السياسية والحقوقية والتاريخية هو المدخل لحل الأزمة المركبة في اليمن.
وتبنى مؤتمر الحوار الوطني اليمني (مارس 2013 إلى يناير 2014) القضية الجنوبية في طليعة قضاياه، إلا أن مخرجاته لحل القضية بإقامة ستة أقاليم جاءت بما لا يلبي طموح بعض الجنوبيين وعلى رأسهم الحزب الاشتراكي اليمني وبعض أعضاء الحراك المشارك بالحوار، الداعين لإقامة إقليمين جنوبي وشمالي.
اشتعال مطلب الانفصال
ألقت التطورات الدراماتيكية في شمال بتأثيرها على المشهد في الجنوب لجهة تعزيز المطالب بالانفصال، خاصة بعد سيطرة جماعة الحوثيين على صنعاء في 21 سبتمبر الماضي، والهجوم على دار الرئاسة ومنزل الرئيس هادي، وتقديم استقالته واستقالة حكومة بحاح، وفرض الإقامة الجبرية على الرئيس هادي وحكومته والقيادات الجنوبية من قبل جماعة الحوثي التي تمسك بمفاصل الدولة عبر انقلاب استكملت أركانه بالإعلان الدستوري للجماعة.
هذه الاحداث أوجد ت تعاطفا جنوبيا كبيرا ووحدت المتنافرين في سبيل استعادة الدولة في الجنوب.
وزادت هذه التطورات من غليان الشارع الجنوبي بعد ان لاقت فعالية ذكرى ثورة اكتوبر الجنوبية في 14 أكتوبر الماضي تصعيداً لافتا من قبل الحراك ومن خارجه حول دعوة تقرير المصير للجنوب، كتعبير ناعم لمطلب الانفصال.
انقسام الفصائل
لكن مشهد استعادة دولة الجنوب تتنازعه مشاريع مختلفة داخلية تبدء بانقسام فصائل الحراك لأكثر من ٣٣ فصيلا، ومشاريع بامتدادات إقليمية ودولية لم يفصح متبنيوها عن هوية تلك الامتدادات.
إلا أن المؤشرات تتجه الى الأطماع الإيرانية التي باتت تنظر لجنوب اليمن بأنه قد يعزز من نفوذها الإقليمي عبر الموقع الاستراتيجي لميناء عدن التاريخي بالتوازي مع تهديدات جماعة الحوثي باقتحام الجنوب، في وقت عجزت المكونات والقيادات الجنوبية عن توحيد قيادتها والاتفاق على رؤية واحدة لمخاطبة الغير بشأن استحقاق القضية الجنوبية، فضلاً عن ترقب مصير الرئيس المستقيل المنحدر من الجنوب، والذي يرزح تحت الاقامة الجبرية.
شكل الدولة
يرى القيادي في اللجنة الإعلامية للحراك الجنوبي أحمد الدماني في حديث لـ "مكة" ان هناك مساعي لقيادات الجنوب بأن تكون الدولة الجديدة مركزية من فيدراليات متعددة، تكون عدن عاصمتها السياسية وحضرموت عاصمتها الاقتصادية، على أن تكون الإدارة محلية في كل فيدرالية.
في المقابل تكون المؤسسة العسكرية موحدة من باب المندب للمهرة تحت قوانين ولوائح وأنظمة موحدة.
واضاف أن الجنوب بعد الوحدة تعرض لطمس معالمه وهويته التاريخية، كما تم تفتيت مؤسساته لدرجة ازالة اسماء شوارع ومدارس، وتسريح 34 ألف جندي وضابط بالجيش الجنوبي.
واقع القوة
يرى القيادي في الحراك الجنوبي نقيب الاعلاميين حسين احمد عثمان العمروري في حديث لـ" مكة"، "إن الجنوبيين في البداية سعوا للوحدة، لكنهم صدموا من الواقع المرير الذي اعقب الوحدة منذ سنتها الاولى مرورا بحرب الظلم عام 1994، ووصولا الى مانحن فيه من استمرار نفس السيناريو المنفر الذي لا يبشر بإنصاف او شراكه حقيقية".
وأضاف إذا كان من حق الحوثيين ان يحكموا ووصلوا للحكم بطريقتهم الخاصة فإن للجنوبيين ايضا الحق في أن يكون لهم وطن مستقل".
وتابع "طبعا انا مع اعادة صياغة اتفاقية الوحدة كفدرالية بين اقليمين بدلا من الاندماجية التي أفشلتها قيادات الشمال وماسوى ذلك لن يكون الا الاستقلال الكامل للجنوب وبحدود ما قبل 1990".
دواعي الاستقلال
تعد اليمن من افقر دول العالم، و60 % من سكانه تحت خط الفقر وتشكل النسبة الاكثر من الفقراء في المحافظات الشمالية، فيما تتركزالموارد في المحافظات الجنوبية، ولهذا يرى الكثير من الجنوبيين بأنه من دون الشمال ذي الكثافة السكانية سيكون استقلال الجنوب أفضل، في ظل الحنين لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية التي لم يمض على استقلالها عن بريطانيا وقتا طويلا (من 1967 إلى 1990).
وشهد الجنوب في تلك الفترة بمستوى معيشي أفضل، بل حقق قفزات كبيرة في التعليم، بشهادات واعترافات دولية.
الجنوب أفضل
رغم مرور اكثر25 عاما على الوحدة اليمنية، الا أن الشباب الجنوبي مقتنع بأن الحياة في الجنوب ستكون افضل حالا مما هي عليه حاليا بالوحدة مع الشمال نظرا لثرواته الطيبيعة وموقعه الجغرافي.
فمساحة المحافظات الجنوبية حوالي ضعف حجم الشمال، ويقطنه فقط خمس سكان اليمن.
إضافة إلى ذلك فقد تم اكتشاف الغاز والنفط في منطقة جنوب اليمن عام 1982 ، لكن الاستخراج المكثف للنفط بدأ عقب الوحدة عام 1990، وقد تحمل النفط الحصة الأكبر في الاقتصاد و80% من حقول النفط تقع في المحافظات الشرقية حضرموت وشبوة ، ويعني ذلك أنها تقع في أراضي المحافظات الجنوبية.
كما ان موقع اليمن إجمالا شماله وجنوبه استراتيجي حيث تقع معظم المحافظات الجنوبية على البحر العربي، والبحر الاحمر وتتحكم بحركة التجارة والملاحة الدولية.
وكذلك مدينة عدن ومينائها الاستراتيجي والذي يعد ثاني ميناء على مستوى العالم فضلا عن الجزر اليمنيه وأبرزها جزيرة سقطرى وجزر عبده كوري من الناحية الغربية التي تشرف على القرن الافريقي.
كل هذه المقومات تعد مغرية للطامحين بالانفصال لكن مطالب اخرى في دعوة اقليم حضرموت ومن ثم المهرة في كيانات اخرى منفصلة، عوامل قد تعترض طريق استعادة دولة الجنوب.