الإعلام الجديد.. البعد التجاري وأزمة القيم!

في ظل الثورة التكنولوجية الحديثة، وانتشار ثقافة العولمة التي ألغت الحواجز الافتراضية بين الثقافات العالمية، وفتحت مجالا واسعا من التفاعل عبر وسائل الإعلام والاتصال الحديثة متجاوزة بذلك حدود الجغرافيا وحواجز الخصوصية، ظهرت أوعية جديدة من وسائل الاستثمار التجاري مستغلة توفر وسائل البث والاتصال والاستقبال وسهولة اقتنائها وتأثيرها في المتلقي وسرعة إيصال الرسالة المرادة وبأكثر من طريقة دفعة واحدة، لتضيف وسيطا رابعا إلى الوسائط التقليدية المعروفة المتمثلة في المرسل والرسالة المرادة والمستقبل ليكون الوسيط التفاعلي إضافة جديدة تتيحها وسائل الإعلام والاتصال عبر فضاء مفتوح وعالم افتراضي يموج بالمتناقضات في كافة المجالات ومختلف الاهتمامات.
فيكون تفاعل المتلقي مع ما يصله عبر وسائل الإعلام المختلفة بشقيها المرئي على شاشة التلفاز عبر البث الفضائي، أو الحاسوب والأجهزة اللوحية المختلفة عبر البث الافتراضي، وما يمثله ذلك التفاعل من قبول أو رفض للمادة الإعلامية وبالتالي الاستزادة منها أو الإعراض عنها، ومدى تأثير ذلك التفاعل أيا كان على قيم ومبادئ المجتمع وخاصة قيم التربية والأخلاق.
والحديث هنا ليس عن القنوات العابرة للحدود لثقافات أمم الأرض، إنما هو عن القنوات العربية التي توجه اهتمامها وموادها للمجتمع العربي والإسلامي، فهل استطاعت تلك القنوات أن توازن بين الجانب التجاري الطاغي على أهدافها كمجال استثماري، وبين ما يفترض من مراعاتها لقيم وأخلاقيات ومبادئ المجتمع كوسيلة جديدة من وسائل التربية والتثقيف في ظل تأثير وسائل الاتصال على تنوعها وتنوع وسائل استقبالها على قيم المجتمع الذي كان يعتمد على الأسرة والمدرسة والمسجد في التربية، ودخلت وسائل الاتصال الحديثة لتضيف دورها كوسيلة عصرية لها أثرها الكبير في التربية وتكريس القيم والأخلاق؟ وبمعنى آخر كيف تنظر وسائل الإعلام والاتصال الحديثة للمتلقي في ظل نظرتها للمداخيل المالية التي يجب أن توفرها للاستمرار في البث والمنافسة ومدى قبول المتلقي لما يتم بثه؟
في ظني أن الإجابة على سؤال كهذا يجب أن تحدد العلاقة التي تربط الوسيلة الإعلامية بالمتلقي في ظل تنافسية كبيرة تسعى لإثبات الوجود وزيادة المداخيل المالية، وهذا لا يتحقق إلا بقبول المتلقي، وبالتالي وصول الرسالة المرادة إليه عبر الإعلان التجاري الذي يقتنص لحظات المشاهدة ويركز على جذب المتلقي والتأثير فيه، ما يترتب عليه رواج المنتج التجاري ضمانا لاستمرار المعلن عبر هذه الوسيلة، فالعلاقة إن لم تبن على احترام ذائقة المتلقي فلن يستمر استقطابه لمتابعة وسيلة البث أيا كانت.
ولهذا نجد هناك مضامين مختلفة لمواد البث، منها ما تطلقه أجهزة الإرسال من برامج تركز على استغلال المرأة في جميع موادها الإعلامية الموجهة للدعاية والإعلان، ومنها ما تنطلق من هموم المجتمع عبر برامج تستقطب المشاهد وتقتنص الفرص الذهبية في لحظة من اللحظات لتبث موادها الإعلانية، بالإضافة لتلك الوسائل التي نحت منحى آخر تركز من خلاله على البرامج الدينية أو التراثية وتقدم موادها الدعائية من خلال كسب تعاطف المتلقي مع المادة المشاهدة.
ومرة أخرى لا أعني هنا تلك القنوات أو الوسائل التي اتخذت خطا واضحا ورسمت منهجية وهوية عرفت بها كالقنوات المتخصصة مثلا، بقدر ما أعني تلك القنوات ذات الطابع الاجتماعي أو الشعبي أو التراثي التي تستغفل المشاهد بالعزف على ركائز أساسية لها وقعها عنده بهدف الترويج لنفسها وكسب قيمة الإعلان، وإذا كان هذا الواقع يغلب على الفضائيات والبث الافتراضي عامة فإنه يصبح أشد خطرا عندما يكون عبر القنوات المخصصة لبرامج الأطفال، ما يجعل المهمة كبيرة على الإعلام الرسمي الذي يجب أن يأخذ بروح العصر ويقدم نفسه عبر المواكبة والمنافسة ليكون له تأثيره المجتمعي، بتصحيح الصورة والاهتمام بالقيم وترسيخها لدى المتلقي.