الإبداع وعلاقته بالمرض النفسي

بين الجنون والإبداع شعرة، والمبدع الحقيقي يعيش في هذه المساحة الضيقة، بين الجمود والحراك، ويدفع ضريبة هذا الإبداع بأن يعيش حياة غرائبية على الأقل في نظر الآخرين، أما بالنسبة له فإنه يشعر بأنه أسمى من الحياة فيغادرها في أقرب وقت، ولكن المفارقة أنه رغم ذلك يعيش في كل الأزمنة التي تلي زمنه!

بين الجنون والإبداع شعرة، والمبدع الحقيقي يعيش في هذه المساحة الضيقة، بين الجمود والحراك، ويدفع ضريبة هذا الإبداع بأن يعيش حياة غرائبية على الأقل في نظر الآخرين، أما بالنسبة له فإنه يشعر بأنه أسمى من الحياة فيغادرها في أقرب وقت، ولكن المفارقة أنه رغم ذلك يعيش في كل الأزمنة التي تلي زمنه! وقد ألمحت الكاتبة البريطانية «دوريس ليسنج» إلى نقطة مهمة في مقدمه كتابها «مذكرات الجارة الطيبة»، حيث إنها قالت جملة مربكة ومخيفة في نفس الوقت: «كل شخصياتنا هي بداخلنا في مكان آخر»! فهي تقول بشكل آخر إن هناك شخصيات تسكن المبدع غير شخصيته! أليس أمرا مرعبا أن تجتمع شخصيات العمل الإبداعي داخل المبدع، وما حجم الصراع الذي ستحدثه هذه الشخصيات في داخله. ولعلي أذكر هنا نقاشا دار بيني وبين الروائي والمبدع الكبير «أشرف الخمايسي» حول هذه النقطة «علاقة المرض النفسي بالإبداع»، والذي رفض فكرة أن يكون المبدع مريضا نفسيا، ويرى أن المبدع والمضطرب نفسيا يشتركان في المعاناة في الصغر، أي أن أسلوب التربية هو من يصنع المبدع، وكذلك يصنع المريض النفسي، وربما يكون هذا جزءا من الحقيقة وليس كلها. وهذا الرأي يشبه رأي الكاتب الفرنسي «أندريه موروا» إلى حد كبير، فقد وجه له سؤال: هل كل الروائيين مجانين أو عصابيون؟ فأجاب: «لا، الأصح أن نقول عنهم إنهم سيصيرون عصابيين لولا أنهم أصبحوا روائيين! ويبدو أن»أفلاطون» هو أول من انتبه إلى هذه النقطة حيث يقول: «العباقرة يغضبون بسرعة ويخرجون عن طورهم»! في إشارة منه إلى اضطراب نفسيتهم، وهو بالمناسبة نصح سكان أثينا بعدم تقليده في أي عمل يقدم عليه! وعندما أتى علم النفس بشكله الحديث أثبت هذه العلاقة بين المرض النفسي والإبداع، يقول الطبيب النفسي «ايسكيورول» بأن الشخصيات الكبرى في التاريخ هي شخصيات «مرضية». فنيتشه «هذا العبقري انتهى به المطاف ليعيش آخر إحدى عشر عاماً من حياته مجنوناً بشكل مطلق! أما الرسام الفرنسي «فان جوخ» فإنه أقدم على عمل غريب جداً ألا وهو قطع أذنه ثم الانتحار. وكذلك الروائي «أرنست هيمنغواي» الحائز على جائزة نوبل للآداب كان من ضحايا الاكتئاب وانتهى به المطاف منتحراً بطلقة رصاص من بندقيته، والفيلسوف العربي «أبو حيان التوحيدي» قام بحرق كتبه وتردد أنه مات منتحراً. أما الكاتبة الأمريكية «فيرجينا وولف» فكانت طريقة انتحارها رقيقة فقد ارتدت معطفا وملأته بالحجارة ورمت بنفسها في النهر، وربما رسالتها التي تركتها لزوجها تعطينا خيطا لفهم ولو شيء بسيط مما دعاها للانتحار، فهي تقول إنها باتت تسمع أصواتا تتحدث إليها ولا تعرف مصدرها وربما هذه الأصوات تأتي من تراكم الشخصيات بداخلها، فقد جعلتها غير قادرة على تحمل الحياة وأضحى عقلها يرفض فكرة الحياة من الأساس! والغريب في الأمر أن الشاعر الفرنسي «جيرار دو نيرفال» ذكر أيضا أنه يسمع أصواتا آتية من العالم الآخر، وقد سبقهم «سقراط» في ذكر هذه الأصوات التي يسمعها فتصيبه بلوثة في عقله! ويبدو أن الكثير من المبدعين يمر بمرحلة سماع الأصوات هذه قبل عملية الانتحار فما مصدر هذه الأصوات! وهناك الكثير من العباقرة انتهى بهم المطاف في المصحات النفسية ونذكر على سبيل المثال الروائية جيه كي رولينج، وتشارلز ديكنز الذي يدخل على زملائه من نوافذ منازلهم بحجة مفاجأتهم، ووليم شكسبير وبلزاك وفيكتور هوجو والشاعر حمد الحجي والكثير الكثير. ويقول الكاتب والطبيب النفسي الفرنسي»فيليب برينو» في كتابه «العبقرية والجنون في الرسم والموسيقى والأدب»، إن معظم العباقرة يعانون من اضطرابات نفسية حادة وأحيانا ينتقلون من النقيض إلى النقيض، فيرتفعون إلى أعلى عليين وأحيانا يغطسون في نوع من الإعياء العصبي والاكتئاب النفسي الذي لا تفسير له. ويرى «أن الاكتئاب النفسي صفة مرافقة لجميع المبدعين الكبار، فالإنسان الذي لا يعاني من أي عقدة نفسية أو من أي جرح داخلي ليس بحاجة لأن يكون كاتبا أوعبقريا». ويدلل على ذلك بعده أمثلة: بأن «نابليون» كان قصيرا أكثر من اللازم، وهذه العقدة جعلته يريد التعويض بانتصاراته المشهودة والمشهورة، وكذلك بالنسبة «لبروست» فكانت صحته هشة فعوض عنها بالكتابة. ولعلنا لا نستغرب من نبوغ أصحاب العاهات «كالمعري» و»بتهوفن» و»طه حسين» وغيرهم فالعقدة أعطتهم دافعا كبيرا للإبداع. ونستنتج من خلال التجارب التي مر بها المبدعون أن العلاقة بين الإبداع والجنون علاقة معقدة جدا. ويشرح لنا أرسطو طاليس موقع المبدع من الجنون حيث يقول: «إن أجمل الأشياء هي التي يقترحها الجنون ويكتبها العقل، وينبغي التقوقع بينهما بالقرب من الجنون حيث نحلم وبالقرب من العقل حيث نكتب». ولكن الكثير من المبدعين يقترب من الجنون بالقدر الذي يجعله لا يستطيع العودة للعقل مجددا فينتهي به المطاف إما منتحرا أو متشردا. إن المبدع يعيش تجليات الجنون، فمن العبث أن نطلب منه أن يتصرف بشكل طبيعي، وأن يبدع بعيدا عن غرائبيته. والأمر غير الطبيعي أبدا هو أن يتصرف المبدع بشكل طبيعي.