دحرجة "الدواعش"

لم ينجُ شعب ولا بلد، في قلب العالم العربي، من ارتجاعات الحضور الفاحش، لقوى الغلو والتطرف، واسترخاص دم الإنسان باسم الدين الإسلامي الحنيف. وليت الأمر يقتصر على الأذى الشامل الذي أصاب الأوطان والمجتمعات. فقد وضَعَتْ مزاعم التدين المسلح بالبندقية والسكين، عقيدة الإسلام نفسه أمام تحدٍ عسير. وبدل أن يكسب الدين مزيداً من المساحات التي تنعقد له فيها مكانة السمو الأخلاقي والحضاري والإنساني؛ بات المنافحون عن العقيدة، يواجهون مخاطر الخلط الشائن، لدى السُذج، بين الإسلام وأفاعيل مجموعات ملتحين، تقترف الجرائم. وربما يدرك المختصون في الغرب والشرق، كون هذه المجموعات لا علاقة لها بالتدين ولا بصحيح الإيمان، وأنها بمثابة عوادم أو نفايات أخرجتها مكائن أنظمة استبداد وبطش وفساد وإفقار، استغلها متفاقهون أشرار، فأعادوا تدويرها وإنتاجها في صورة حركة مجنونة غير متجانسىة، لا تتورع أجزاؤها عن التقاتل بضراوة فيما بينها، وإهدار دم بعضها البعض، فضلاً عن إهدار دم الأبرياء من كل طيف في المجتمع. وبينما تحاول هذه المجموعات الإيحاء بأنها تحمل مشروعاً، وتستخدم مفردات الدين في لغتها، إلا أن سلوكها ينم عن قطيعة كاملة مع الاجتماع الإنساني فما بالنا بالاجتماع السياسي. أما دين الحق، فهو الذي يشتمل على أعمق المحددات وأرقى الخلائق الكفيلة بنهوض اجتماع سياسي في الأوطان!
تنظيمات «الدواعش» في العراق وسوريا ولبنان وسيناء المصرية وليبيا وأينما كانت؛ تعمدت امتطاء متون القضايا العادلة لكي تحقق رواجاً، لكنها ــ وهنا المفارقة ــ سرعان ما كشفت عن فحواها الذي يزيد ويعمق مظلوميات المتأذين من الاستبداد. يستبدل العصا بالسكين، ويفاقم معاناة المتأذين من النهب الواسع للأنظمة الشمولية، ويعمق فقرهم من خلال تعطيل دورة الحياة الاقتصادية، وسرقة الثروات كآبار النفط وموجودات البنوك وما يتوافر في منازل أثرياء وأطياف اجتماعية أخرى. وبدل أداء واجب العمل على رفعة ديننا الحنيف، فإن هذه التنظيمات تجعله عُرضة للطعن من قبل حاقدين على الدين، بل إن البعض الذي يروق له اعتباطاً، رؤية الإسلام من خلال هؤلاء المعتوهين؛ يجعل مسألة التدين الرقيق، قضية خطر دولي. وهؤلاء، الذين أصابوا الأمة بهذه النكبة، باتوا محنة ابتلي بها المسلمون قبل غيرهم.
ولا يفوتنا هنا، التنوية الى خطر موازٍ، تمثله «الدواعش» الشيعية الناشطة في سوريا واليمن والبحرين. فإن كان حجم هذه ومحدودية انتشارها، يتناسب مع ضآلة حجم قواعدها الاجتماعية؛ فإنها في سعيها، تحاكي «الدواعش» الأولى، فتسفك الدم ما أتيح لها أن تسفك، وتخرّب الأوطان، وتؤسس للبغضاء وتنعق كالبوم في بث الفتنة!
إن مصابنا في وجود هؤلاء، يستوجب جهداً يشارك فيه الفقيه وعالم الاجتماع والمربي والمختص في التخطيط للسياسات الاقتصادية، لأن رجال الأمن وحدهم، يواجهون هذه الظاهرة من منظور اختصاصهم الذي يتعاطى مع النتيجة بمنطقها. أما المختصون في كل حقل، فإنهم المعنيون بالتعاطي معها بمنطق أسبابها.
إن هؤلاء الذين يزعمون أنهم بصدد تأسيس دول، وتجسيد عقيدة الرحمن في كيانات، ويفعلون أفعال الشياطين المجردين من العقل ومن الوازع الضميري؛ يفتحون بطون الدول والكيانات القائمة لمشرط الجراح الأجنبي ويستحثون الغزو، وإعادة الأوطان إلى زمن الوصاية. لقد ذهب متفاقهون جهلة ومشوهون، بمجموعات من الشباب الجاهل الساذج المأزوم، إلى غيبوبة ذهنية عميقة مع صحو جسدي في حمل السكين، واستثمروا كل الإحباطات لتأسيس جيشهم ولم يدركوا أنهم زائلون حتماً وبلا مستقبل.
كنت في الجزائر في ذروة سنوات الإرهاب، وقد استمعت إلى شهادة طفلة ناجية من مذبحة في بيت. استفاق واحدٌ من القتلة على روع ما فعلت يداه، فصرخ متفجعاً. عندئذٍ تدخل زعيم العصابة، فأمر أحد العناصر باللهجة الجزائرية:»هيّا، اعطه الشِكَّة». أي احقنه سريعاً بمصل الهلوسة والجنون!