ما سر تزامن ملاحقة جنايات لاهاي للمسؤولين السودانيين مع انتصارات الجيش؟
الجمعة، ٢٩ أغسطس ٢٠١٤
طفا على الساحة السياسية السودانية خلال الأيام الأخيرة سؤال مفاده الآتي: ما سر تزامن ملاحقة محكمة الجنايات الدولية في لاهاي، للمسؤولين في الحكومة السودانية بالتزامن مع انتصارات الجيش السوداني والقوات الأمنية وتقدمها ميدانيا وحسم التمرد عسكريا في منطقة جبال النوبة بجنوب كردفان، وانتصاره على الجبهة الثورية في دارفور وإلحاقه هزيمة نكراء بقوات جيش تحرير السودان.
فجنايات لاهاي الدولية فعلت قبل أيام لوائحها وحظرت سفر الرئيس السوداني عمر البشير، كما طالبت المدعية العامة فيها فاتو بنسودة مجلس الأمن الدولي بـ”إجراءات حاسمة وطرق مبتكرة” لتوقيف المسؤولين السودانيين المتهمين بارتكاب جرائم بدارفور. وقالت إن المقاضاة لا يمكن إتمامها دون اعتقالات، داعية إلى إجراء تحقيق في مزاعم تستر بعثة “يوناميد” على جرائم.
ومعلوم أن المحكمة الدولية تطلب منذ 2007 مثول البشير ووالي شمال كردفان أحمد هارون وأحد قادة مليشيات الجنجويد علي كوشيب، أمامها بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بدارفور.
وتحرك المحكمة الدولية هذا، قاد إلى أسئلة كثيرة منها: هل نشاط المحكمة في ملاحقة المسؤولين السودانيين يهدف إلى الضغط لإجبار الحكومة على وقف إطلاق النار وإنقاذ المتمردين من التلاشي؟ وهل أصحبت المحكمة أداة سياسية لخدمة الأجندة الدولية في السودان؟ وهل هي أداة عدلية أم قمعية؟ ولماذا غضت الطرف عن 25 انتهاكا ارتكبتها حركة العدل والمساواة الدارفورية ورصدها مجلس الأمن الدولي؟ وما علاقة المحكمة الدولية بالمخططات الدولية الساعية لتقسيم السودان لعدة دويلات؟ ولماذا تنشط المنظمات الحقوقية العالمية والناشطون الدوليون بالتزامن مع انتصارات القوات المسلحة السودانية؟
منظمات دولية تدعم المتمردين
اتهمت القيادة المتقدمة لقوات “الدعم السريع” في ولاية جنوب كردفان، منظمات غربية بدعم المتمردين وتزويدهم بالتقنيات العسكرية والتورط في الحرب الدائرة هناك، وانتهاك سيادة البلاد، بحسب المركز السوداني للخدمات الصحفية.
وكشف قائد القيادة المتقدمة بالولاية اللواء على النصيح القلّع عن حصول قوات “الدعم السريع” خلال عملياتها ضد المتمردين، على أدلة تثبت تقديم مجموعة “ستلايت سنتنال بروجكت” SSP التي أسسها الأمريكي جورج كلوني، على معلومات عسكرية لعناصر متمردي الجبهة الثورية، مبينا أن تلك المعلومات العسكرية يتم التقاطها عبر الأقمار الاصطناعية، وعبر أجهزة ثبتت على المركبات العسكرية، وعلى الأشجار والمناطق المرتفعة، ويتم عبرها مراقبة الطرقات التي يمكن أن تسلكها القوات الحكومية في تقدمها نحو معاقل المتمردين.
وعدّ اللواء القلع أن البيانات والتقارير التي تصدر عن المجموعة مضللة وتهدف للتغطية على دعمهم للمتمردين وإظهارهم بمظهر الضحية، مؤكدا أن تلك التقارير والمعلومات تقف وراءها أهداف سياسية محضة ولا أساس لها من الصحة، وأنها انتهاك صريح لسيادة وأمن البلاد القومي. كما اتهم، المنظمات الغربية بتأجيج الصراع في البلاد وتوفير الغطاء للمتمردين، والعمل على إطالة أمد الحرب.
وأشار إلى أن مجموعة (SSP) ركزت في أنشطتها على مراقبة تحركات القوات الحكومية في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، كما تقوم المجموعة بنشر تقارير مفبركة وبصفة دورية.
تحرك الجنائية والغرب نصرة معنوية للمتمردين
قال وزير الإعلام والاتصالات الأسبق ورئيس حزب الأمة الوطني الزهاوي إبراهيم مالك لـ”مكة”، إن الغرب يتدخل عندما تبدأ معارك حقيقية في مناطق مختلفة ضد المتمردين، لافتا إلى حالة هياج غريب تحدث في الغرب بالتزامن مع انتصارات الجيش السوداني وتقوم الدنيا وتقعد على أساس أن هناك استعمالا للطائرات واستهدافا للمدنيين.. وهذه هي اللغة التي يتحدث بها الغرب ومنظماته الحقوقية دائما حينما ينتصر الجيش السوداني. نحن نشعر أن القصد منها هو نصرة لجانب المتمردين، إذ كلما تحققت انتصارات تكون هناك ردة فعل غربية خاصة من لجان حقوق الإنسان والجنائية الدولية، والقصد منها إحباط الجانب المعنوي لهذه الانتصارات.
وأكد مالك أن التمرد الآن جنوب كردفان محاصر، ولجأ المتمردون إلى مناطق آمنة في الجبال للاستفادة من فصل الخريف المقبل، أما في دارفور فليس هناك أي محاولة للغلبة من جانب الحركات المسلحة.
أداة قمعية
ولفت مالك إلى أن جنائيات لاهاي أصبحت مجرد أداة قمعية لخدمة الأجندة السياسية للدول الكبرى. وأضاف: الآن تقوم بعملية فرز كبيرة جدا ولديها اختلال في المعايير ولا تصدر بمقياس عدالة موحدة، كما أصبحت مجرد واجهة لتنفيذ المخططات الدولية المختلفة، مشيرا إلى أن الحركات المسلحة المتمردة بدأت بمطالب ومظالم محددة ولكنها سقطت بيد الغرب لأنه هو الذي يقوم بتمويلها وحمايتها ونحن الآن نتحدث عن الحوار الوطني كوسيلة للسلام، إلا أن هناك ممانعة كبيرة من جانب الحركات المسلحة. وصف مالك اتهامات الجنائية الدولية للمسؤولين السودانيين بالأجندة السياسية الهادفة للنيل من السودان.
جسم منقوص الشرعية
قال مقرر نقابة المحامين السودانيين السابق، القانوني قرشي التوم لـ “مكة”: حين ظهرت مبادرة ميثاق روما فيما يتعلق بمسألة تطور القانون الجنائي الخاص لتكون هناك محمكة جنايات دولية تختص بجرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، كانت هذه رغبة ملحة باعتبار هذه الجرائم تشكل خطرا يعوق تطور القانون الدولي، ومواثيق حقوق الإنسان.
وأضاف “حين شرعت الدول الأعضاء بتنفيذ فكرة الميثاق وظهور المحكمة، رفضت دول مثل الولايات المتحدة الأمريكية، التوقيع والمصادقة على اتفاق روما واعترضت على البند الخاص بملاحقة مرتكبي الجرائم من الجنود والمسؤولين الأمريكيين في أي جرائم، وبذلك أصبح هذا الجسم منقوص الشرعية، وكان دائما يبحث عن دول أعضاء تلتحق به لنيل أكبر قدر من الشرعية”.
وأشار التوم إلى أن مجلس الأمن الذي توجد علاقة بينه والجنائية الدولية، تهيمن عليه دول بعينها، وبالتالي أصبح أداة سياسية محضة خاصة في عملية اختيار الوكلاء المختصين في التحقيق وتوجيه الاتهام، وكذلك الإحالات إلى المحاكم.
وقال: منذ 2003 والجرائم التي ارتكبت والملاحقات والمسؤولية الجنائية وتوجيه الاتهامات، وملاحقة مرتكبي هذه الجرائم في العالم، تدل على أن محكمة الجنايات الدولية عبارة عن أداة سياسية محضة، تتحرك بناء على أجندات سياسية من الدول الفاعلة دوليا. وكذلك في موضوع إحالة السودان منذ توجيه الاتهام لرئيس الجمهورية عمر البشير وبعض قيادات الحكومة تجاه بعض المخالفات والانتهاكات التي وقعت في دارفور، نجد بوضوح أنها اصبحت سيفا مصلتا على السودان استخدم لتقويض اتفاق السلام الشامل في 2005، وتقويض المسيرة السلمية في دارفور.
ورأى التوم أن محكمة الجنايات الدولية أصبحت عائقا في سبيل تحقيق استكمال العملية السليمية في دارفور، ومن جانب آخر فيما يتعلق بجانب تزامن نشاط المحكمة في ملاحقة المسؤولين السودانيين مع التقدم ميدانيا من قبل القوات الحكومية المسلحة لحسم التمرد وإرساء السلام على الأرض.
وقال: واضح أن هذه المحمكة تتحرك من أجل أجندات سياسية، وأن مدعية المحكمة الآن تخاطب فعاليات سياسية، وتلتقي بناشطين سياسيين، ولكنها تغض النظر عما يحدث في سوريا لأنها تخضع لاستقطاب سياسي محض وتحركها الدول العظمى وفقا لأجنداتها.
وأرجع التوم إعلان المحكمة تفعيل آلياتها للقبض على البشير بالضغط على الحكومة لإحداث تسوية سياسية في البلاد بالكيفية التي يرغب بها المجتمع الدولي، وهي بهذه الكيفية كأنها تشجع الحوار الوطني، وتطالب بمطلوبات محددة، لافتا إلى تطابق مطالب المحكمة وخطابها مع عدد من السياسيين السودانيين والدبلوماسيين الغربيين في الخرطوم، وهؤلاء يقولون إنه في حال حدوث توافق سياسي بين الحكومة ومعارضيها ستعطل المحكمة لمدة عشر سنوات. والسؤال: كيف تعطل عريضة الاتهام لعشر سنوات طالما هناك انتهاكات وأنت تبتغي العدالة من ملاحقتك وليس تحقيق هدف سياسي؟
وأضاف “واضح جدا أن المجتمع الدولي يريد حوارا سياسيا في البلاد وفقا لأجندته الخاصة، والمحكمة الجنائية هي الأداة السياسية لتحقيق هذه الأجندة. ولكن الآن السودان تجاوز هذه المحكمة، وأفريقيا بأكملها توحدت ضدها وأصدر الاتحاد الأفريقي قرارا بمقاطعتها.
واجب وطني رغم الدعاوى
قال الأمين العام لحركة تحرير السودان الدارفورية علي دوسة لـ”مكة” إن دعوة المحكمة الجنائية الدولية إلى ملاحقة المسؤولين الحكوميين في السودان قديمة تتجدد من وقت لآخر، إلا أن الغريب أنها تأتي في وقت يجري فيه حوار وطني جدي بين مختلف مكونات الأطياف السودانية، ويهدف إلى توافق وطني يحقق المصالحة الشاملة في البلاد.
وأضاف: نستغرب تجدد دعاوى المحكمة الجنائية وتزامنها مع انطلاقة مشروع الحوار الوطني في البلاد.
ورأى دوسة أن انتصارات الجيش السوداني ميدانيا ودحر المتمردين، تعزز فرص السلام خصوصاً أن الحكومة مدت يدها للمتمردين للدخول في هذا الحوار ولكنهم وضعوا شروطا، ويبدو أنهم تعرضوا لضغوط خارجية قوية لكي لا يلتحقوا بالحوار.
واستغرب دوسة تجدد دعاوى المحكمة الجنائية وتوقيتها، وكان حريا بها الانتظار على الأقل لمعرفة نتائج ومخرجات الحوار الوطني في السودان.
وأعرب عن اعتقاده أن تجدد دعاوى الجنائية لا تؤثر في معنويات الجيش السوداني أو ثني الحكومة عن فرض هيبة الدولة ومواصلة مشوار السلام والحوار الوطني، ولا يمكن للحكومة أن تقف مكتوفة الأيدي، فيما هناك أراض محتلة من قبل المتمردين وتعرض مواطنين سودانيين للانتهاكات، لذلك لا بد للحكومة أن تتحرك لحسم هذا الأمر وهذا واجب من واجبات الدولة والقوات المسلحة السودانية لحماية التراب السوداني سواء كانت هناك دعاوى جنائية أو لم تكن. وهذه قوات مسلحة وهذا واجبها وهي تعرفه تماما.
كيل بمكيالين وليس عدلا دوليا
تساءل أستاذ العلوم السياسية في جامعة النيلين البروفسير عبده مختار في حديثه لـ”مكة”، عن تزامن تحرك المنظمات الحقوقية الغربية وجنائيات لاهاي مع انتصارات الجيش السوداني، قائلا: لماذا تصمت طويلا حينما كانت قوات التمرد تتقدم وتتركب المجازر والفظائع في حق المدنيين في جنوب كردفان والجبال الشرقية؟.
وأشار إلى رصد مجلس الأمن لـ 25 انتهاكا موثقا قامت به قوات حركة العدل الدارفورية دون أن تحرك جنائيات لاهاي والمنظمات الحقوقية الغربية ساكنا، مبديا استغرابه لعدم إدانة الجنائية الدولية للانتهاكات الكبيرة التي قام بها المتمردون في ابوكرشولا في كردفان، ولكنها الآن بعد تقدم الجيش السوداني على المتمردين تحركت المنظمات الدولية وجنائيات لاهاي لإدانة الحكومة السودانية.
وقال: في تقديري أن ما يحدث في أروقة العدالة الدولية هو الكيل بمكيالين، وازدواجية المعايير الدولية الخاضعة للميزان السياسي، وليس ميزان العدل والقانون الدولي.