تبادل اللوم إنكار سلبي لما تواجهه الأمة
الجمعة، ٢٩ أغسطس ٢٠١٤
أكد خطيب المسجد الحرام الدكتور سعود الشريم في خطبته بالمسجد الحرام أنه لا يخفى على كل لبيب أن ما حصل لأمتنا الاسلامية ليس بالأمر الاعتيادي، مشيرا إلى أن هذه الأحداث أيا كان لونها وحجمها فإننا جميعا لسنا مبرئين من كوننا سببا فيها من قريب أو بعيد، لافتا إلى أن الأمة الواعية الموفقة هي التي تنظر بعين الجد تجاه تلكم الأحداث؛ فتدرس أسبابها، وتستجلب علاجها.
وأشار الشريم إلى أن التلاوم صورة من الإنكار سلبية؛ إذ ليس توبيخا إيجابيا، ولا عتابا محمودا، وإنّما هو جزء من الأنانية والأثرة، وهو إلى الخصام أقرب منه إلى النّصح والإصلاح؛ لأن المصائب تنشئ تدارس العلاج، والتلاوم يئده في مهده، كما أنه صورة من صور إفلاس المجتمعات في التعامل مع مصائبها ونوازلها الحالة بها.
وأوضح الشريم أن أعظم نصر للعدو المتربص هو أن يرى خصومه في حالة يرثى لها من سكر التلاوم الذي ينقض عرى التلاحم في المجتمع الواحد، مؤكدا أن الخلاف قد يصل إلى درجة التخوين في الدين والأمانة، وإن التحذير منه لا يعني أبدا ترك التناصح والتصحيح تحت ظلال الإخلاص والرفق واللين والهمّ الواحد.
منوها إلى أن الأمم الموفقة هي التي تنظر بعين الجد تجاه تلك الأحداث فتدرس أسبابها وتستجلب علاجها وهي في الوقت نفسه تتقي داء خطيرا لا يزيد المصائب إلا بلاء وليس هو من العلاج في ورد ولا صدر وهو ما يعاني منه جل المجتمعات في مواجهة مثل تلك المصائب والمدلهمات المتتالية إلا أنه داء التلاوم الذي يزيد المحن اشتعالا ولا يطفئها التلاوم الناشئ بعد كل فشل أو خسارة أو محنة لتغطية الفشل والهروب من الاعتراف بالخطأ والندم عليه والعزم على عدم تكراره.
وأشار خطيب الحرم إلى أن المهمّات العظيمة والمصالح المشتركة لأمة الإسلام لا ينبغي أن يغشاها تبادل اللوم؛ لأن الأمور الكبيرة لا تحتملها إلا النفوس الكبيرة، مبينا أن هذه الظاهرة لم تكن في أسلافنا من قبل، لأن دواعيها من الأنانية والمكابرة واللا مبالاة لم تكن بينهم، إذ النفوس صافية والقلوب متواضعة والشعور بالتقصير ديدن كل واحد منهم.
فحسنت حالهم وأصلح الله شأنهم فلم يحل بهم معضلة إلا خرجوا منها كما تخرج الشعرة من العجين، فهم لم يكونوا ملائكة وليسوا منزهين عن الخطأ، بل يخطئون ويصيبون فيتوبون إذا أخطؤوا ويشكرون إذا أصابوا، لكننا خالفنا نهجهم فصدق فينا قول ابن مسعود رضي الله عنه «يأتي على الناس زمان أفضل أعمالهم بينهم التلاوم».