انتقاص الاعتراف الأدبي

استوقفتني مقالة للدكتورعبدالله إبراهيم تناول من خلالها موقف الجمهور من اعتراف الأديب، وتحليله للتناقض الحاصل في وجهة نظر كل من الكاتب والقارئ قائلا: (يرى كثيرون أن أدب الاعتراف محط شبهة، والتباس، لأن الجمهور الأدبي لم يتمرس بعد في قبول الحقائق كما هي، وعرض الأخطاء كما وقعت، إنما يرى في جرأة الكاتب على كشف الحقائق سلوكاً غير مقبول، وهذا النوع من التلقي الخارجي لأدب الاعتراف يبث ذعراً لدى بعض الكتاب، فيحول دون اقترابهم إلى المنطقة الحساسة التي قد يقع التشهير بهم جراء ذلك، ففكرة الاعتراف محاطة بكثير من ضروب الحذر في مجتمعات تقليدية تتخيل أنها بلا أخطاء، وبالإجمال فرغبة الجمهور قد تدفع بعض الكتاب، أحيانا، إلى اختلاق تاريخ مغاير لبلادهم، ولحياتهم الشخصية، ومصالح بعضهم قد تدفع بهذا السلوك، ويرغب بعضهم الحفاظ على الصورة النمطية في أذهان العموم، وذلك يعمق لديهم حال التكتم على الأخطاء التي اقترفوها، وعدم التعامل معها على أنها أحداث وقعت في سياق مختلف من ناحية زمنية وفكرية).
ويضع أدب الاعتراف، ومثالاه الأكثر وضوحاً؛ السيرة الذاتية، والسيرة الروائية، الكاتب أمام المسؤولية المباشرة لصناع الرأي العام، لأن الاعتراف بذاته يقع في المنطقة المتوترة بين رغبة الجمهور في براءة المشاهير، ورغبة هؤلاء في التطهر مما لحق بهم من أخطاء اقترفوها عن قصد أو غير قصد خلال حياتهم. بينما يتلذذ التلقي العام بالكتابة المتحايلة عليه لا المكشوفة له ويستمتع بها كلما كانت أكثر تزييفا لواقعه وتناقضت في سرد تفاصيله وصورته بألوان وهمية.
ولعل اعترافات الأديب تتطلب استيعاب اعترافه الأدبي. وتسامح التلقي وإكباره قدرة الأديب الواعية على مواجهة ردود الفعل ويقظة ضميره وشجاعة ذاته الإبداعية في تأمل سيرتها بخيال زمانها ومكانها لا بأحلام تتشبث بأضغاث لا أساس لها من الذاكرة والذكريات ولا حقيقة لها في الواقع. إلا أن ما يحدث من تلق سلبي ناقد مخيب لتوقعات الاعتراف وأدبياته.