اختلاف الرأي وقضية الود
الجمعة، ٢٩ أغسطس ٢٠١٤
للتنوع الثقافي والاختلاف الفكري أثره في إثراء المجتمع وتعزيز الروابط وتقوية القواسم المشتركة بين الأفراد، من خلال مساهمته في فهم الواقع وإدراك معطياته والتفاعل معها، ويتأتى ذلك من خلال الحوارات والنقاشات البناءة والتي ستفضي بدورها إلى بناء مجتمع متعاون يسوده السلم والأمن والرخاء والتعايش المشترك.
ومن مميزات الاختلاف والتنوع الثقافي وجود القدرة على الانفتاح على الآخر، واكتساب المدارس الثقافية على المستوى الوطني بكافة مكوناتها مميزات وخصائص ومُثلا وقيما وآفاقا إنسانية متفردة، فالأخوّة والعدل والمساواة والسلام والحرية والتسامح والتكافل واحترام العقل وكرامة الإنسان، ورفض الظلم والعدوان، من المسلمات البديهية في البنيان الثقافي الوطني، وبالتالي لا يمكن تصور تنوع ثقافي قائم على العداوة والكراهية والمواجهة، إذ إن التنوع الثقافي في أصله إغناء للثقافات، وتعزيز لقدراتها على مواجهة المتغيرات، والتأثير فيها بما يخدم المتلقي ومن ثم إكسابها أبعادا إنسانية عظيمة، وصولا إلى إطلاق القدرات الإبداعية لهذه الثقافة والمنتمين لها.
إلا أن المتأمل في واقعنا الثقافي، وما تشهده ساحتنا الثقافية من تضاد وتعارض، وتبادل للاتهامات، وتشكيك في الذمم والولاءات، يدرك أن ثمة خللا في بنائنا الثقافي، أساسه الانتصار للرأي، والإيمان بصحة التوجه، وأن الرأي المخالف خطأ لا يحتمل صوابه، وأنه يهدف إلى هدم المجتمع وزعزعة أمنه واستقراره. والحقيقة أن الكثير ممن يتبنى هذا التوجه فات عليه أن النظرة للأمور تختلف من شخص إلى آخر، وأن التطرف الفكري يأخذ الشخص بطريقة معينة لإساءة الفهم، ليعلن أنه هو وحده صاحب الفهم الصحيح والنظرة الصائبة، وأن الآخرين على خطأ. ولو وقف الأمر عند هذا الحد لما حدث الإشكال، لأن معنى أن يأخذ إنسان بفكرة معينة، هو أنه قد رأى الصواب في تلك الفكرة أو الرأي الذي اختاره، لكنه ينقلب متطرفا إن هو أراد أن يحمل الآخرين بالقوة على مشاركته فيما اعتقد.
والحق أن الاختلاف في وجهات النظر وتقدير الأشياء والحكم عليها أمر فطري طبيعي، ذو صلة أكيدة بالفروق الفردية بين الناس. والاختلاف حق طبيعي وعام لكل الناس، وهو حق أبدي وقائم إلى يوم القيامة، ولذا فإن اختلاف النظرة للأمور والوقائع والأحداث يعني بالضرورة اختلاف الحكم عليها، وهذا الاختلاف يجب ألا يتحول إلى خلاف، فالكل له الحق في أن يتبنى وجهة نظر مخالفة للآخر طالما أن وجهة نظره ترتقي بأخلاقيات الحوار والاعتراف بالآخر، لأنه عندما يسود التزمّت والخوف من الآخر وتخطئته فلن ننتج ثقافة، ولن نبي فكرا، بل إننا نسهم دون أن نعلم في قطع أواصر العلاقات بين أبناء المجتمع ونهدم بناءه.