أزمة الصحافة.. ما خفي أعظم
الخميس، ٢٨ أغسطس ٢٠١٤
دون سابق إنذار أو ترتيب مسبق تناول الجاران بصفحات البلد زهير كتبي وعبدالله الطويرقي في مقالتيهما المنشورتين الثلاثاء الماضي الشأن الصحفي والإعلامي السعودي، الأول عبر مقالته المعنونة بـ”الكتاب بين الإعلام والعدل” والثاني “حماية الصحافة من الدخلاء”.
وفيما تطرق كتبي إلى ضرورة فك الاشتباك بين وزارتي “العدل” و”الإعلام” فيما يتعلق بالقضايا الإعلامية، وجه الطويرقي سهامه نحو شركات العلاقات العامة التي يرى أنها تغلغلت في أوصال المؤسسات الصحفية وأفسدتها.
في ظني أن كلا المقالين يعبران عن غيرة حقيقية على مهنة الصحافة والصحفيين، إلا أني أراهما حاما حول الحمى، ولكن لعدم إلمامهما بخفايا العملية الصحفية جاءت مشاركتهما غير دقيقة.
وليسمح لي الكاتبان بالتنظير قليلا في هذا المجال، استنادا إلى خبرة تراكمية تقترب من ربع قرن، مارست خلالها جميع الأدوار الصحفية باستثناء الانفراد برئاسة التحرير.
بداية في مسألة التقاضي التي ذكرها كتبي، فهي أعقد بكثير من مسألة جلوس وزيري العدل والإعلام لتعميد المحاكم بعدم قبول أي قضية إعلامية، فهناك أمر ملكي صادر بهذا الخصوص في العام 1433 بتشكيل 4 لجان قضائية تتبع وزارة الإعلام شكلا ومستقلة عنها مضمونا، وهي الوحيدة المعنية بالنظر في القضايا الإعلامية المختلفة، وأحكامها تكتسب القطعية، ولا تتطلب مصادقة وزير الثقافة والإعلام، ويمكن الاعتراض على أحكامها أمام اللجنة الاستئنافية.
وعندما أقول “إعلامية” فإني أعني بذلك القضايا المرتبطة بأي شكل من أشكال العمل الإعلامي المنشورة عبر وسائل النشر المعروفة، وخلاف ذلك تعامل أسوة بالقضايا الأخرى. ولكن في حال قبلت إحدى المحاكم النظر في دعوى لها علاقة بالنشر، فإن المتضرر بإمكانه التمسك بنص الأمر الملكي ورفض الدعوى لعدم اختصاص الجهة الناظرة.
أما ما ذكره الطويرقي بشأن شركات العلاقات العامة وأنها سبب بلاء الصحافة المحلية، فهذا أمر وإن كان صحيحا في مظهره العام، إلا أنه لا يعبر بدقة عن الفترة الحالية، بل عن فترة تمتد لعشر سنوات مضت، كون قواعد اللعبة الإعلامية تغيرت اليوم، وأبطالها أصبحوا أفرادا وجهات أخرى، الحلقة الأضعف فيها شركات العلاقات العامة ورجالاتها.
وقبل الخوض في تفصيل ذلك أود أن أنعش ذاكرة الطويرقي بنبذة بسيطة عن واقع الصحافة، فهي لسنوات طويلة كانت مهنة من لا مهنة له، يتم اللجوء إليها إما لـ”الترزز” لتقدم الصفوف ومصاحبة المشاهير والمسؤولين، أو لتحسين الدخل، بالاستفادة من عائدها المالي “النظيف” بدلا من الوقوف في محل لبيع قطع غيار السيارات.
دعم هذه المعادلة؛ ضعف الثقة في القطاع الخاص، وفقدانها بالقطاع الصحفي، وإهمال قيادات التحرير لمسألة تحسين بيئة العمل لتكون خيارا رئيسا للعاملين بها. ولذلك عندما لجأت الصحف إلى شركات العلاقات العامة لتزويدها بالأخبار والتقارير الصحفية، كان ذلك لسد ثغرة مهمة موجودة لديها ضمن برنامجها التحريري اليومي.
غير أن هذا الأمر أصبح من الماضي، فتعدد مصادر الأخبار يجعل من بيانات هذه الشركات بصيغتها المرسلة خيارا هامشيا للصحف، ما لم يتم استكمالها أو البحث عن زوايا أخرى فيها تستحق النشر.
وعليه فإن أزمة الصحافة عندنا ليست في الجدار القصير المسمى “شركات بي. أر” بل في متغيرات أخرى دخلت على الخط وأضحت أكثر تأثيرا ونفوذا، بدءا من مافيا رجال الأعمال الذين تعلموا الدرس جيدا، وأصبحوا يتوجهون مباشرة للصحفيين ليكونوا صوتهم الذي يتكلمون به ويدهم التي يضربون بها، مرورا بالوزارات والهيئات الحكومية، التي وجدت في تشغيل المميزين والمؤثرين منهم وإسكاتهم أقل كلفة وضررا، وانتهاء بإدارات التحرير التي قترت على محرريها فتحولوا إلى مندوبي إعلانات بمرتبة صحفيين.
يضاف إلى ذلك قائمة طويلة لا تبدأ من ضعف المحتوى فحسب، بل تشمل حرمان العاملين بها من امتياز التدريب والتأهيل، قبول الساقط واللاقط للعمل بها، اختلال معادلة التحرير والإدارة، ضعف ضوابط الانتقال والفصل، ارتباط الترقي بمزاجية المسؤول، ضبابية قانون النشر ومساحة التأويل فيه، وأخيرا حدود وصلاحيات المؤسسات الصحفية.
ليبقى السؤال الأهم؛ هل بعد هذه المعطيات ينتظر أن يشهد المجتمع الصحفي تطورا يحقق الآمال والطموح؟ أشك في ذلك، وإن كنت أتمنى أن ينجح المخلصون ويخيبوا ظني.