البيات الصيفي

البيات الصيفي لغز البعوض الذي حير العلماء ونشر الملاريا

مكة - مكة المكرمة

على مدى عقود، أعيت مطاردة مخابئ البعوض العلماء الذين مروا بقائمة طويلة من الإحباطات، أملا في الوصول إلى مخابئه السرية للقضاء عليه، واجتثاث حمى الملاريا التي تصيب وتهدد حياة الملايين سنويا.
فبينما يعتقد كثيرون أن البرك والمستنقعات هي العامل الحاسم في المواجهة مع البعوض للقضاء على الملاريا، تشير الأبحاث إلى أن فترات الجفاف هي اللغز الحقيقي في دورة حياة البعوض وربما كانت المواجهة الحاسمة معه في موسم الجفاف وليست فوق المياه الراكدة.
وبحسب عدد سبتمبر من مجلة نيتشر الطبعة العربية التي تصدر بالتعاون مع مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، فإن الباحث في الحشرات بمختبر أبحاث الملاريا وناقلات الأمراض في روكفيل بولاية ميريلاند، التابع لمعاهد الصحة القومية الأمريكية توفي ليمان حاول العثور على مخابئ البعوض السرية على مدار 6 أعوام مع أعضاء فريقه في كل من الولايات المتحدة وأفريقيا، في محاولة للعثور على الحشرات المراوغة بكل طريقة، بما في ذلك الاستعانة بالكلاب و البالونات، لمعرفة أين تختبئ ناقلات الملاريا خلال موسم الجفاف الطويل».


خطة غامضة

في كل عام، تشهد مساحات شاسعة من منطقة الصحراء والساحل الأفريقية موسم جفاف شديد، ولا يعود البعوض قادرا على التكاثر، لأن بيضه يجب أن يظل رطبا من أجل البقاء، وعندما تأتي الأمطار تظهر ماصات الدماء الناضجة بأعداد هائلة في أقل من ثلاثة أيام.
وتوضح هذه الوتيرة أن البعوض الناضج يختبئ في مكان ما، انتظارا لانتهاء موسم الجفاف، وتشير تلك الإمكانية إلى خطة غامضة محيرة للهجوم فتصيب حمى الملاريا ملايين البشر، وتقتل أكثر من نصف مليون نسمة سنويا، معظمهم من الأطفال في أفريقيا.


تضخم البعوض

وتوصل علماء الحشرات إلى تفسيرين لكيفية تضخم أسراب البعوض بسرعة بالغة قبل أن تتاح لها فرصة التكاثر، أحدهما هو الهجرة لمسافات طويلة بواسطة الرياح العالية، والثاني أن تقضي موسم الجفاف في بيات صيفي، ووجدت مجموعة ليمان مفتاحا باكرا لحل اللغز، يشير إلى أن البيات الصيفي قد يكون هو الجواب.
وأجريت دراسات في أربعينات القرن الماضي، حاولت تكرار الظروف الطبيعية في المختبر، لكنها فشلت في دفع إناث البعوض نحو سبات عميق، بحسب قول دوجلاس نوريس خبير علم الحشرات الطبي بكلية بلومبرج للصحة العامة بجامعة جونز هوبكنز في بالتيمور ميريلاند.
وأظهر اكتشاف بعوضة أنثى معلمة بالطلاء لدى اجتياح الأمطار لتييرولا (وهي قرية نائية خارج الشبكة) أن البعوض البري يمكنه البقاء رغم موسم الجفاف، ما دعا نوريس لبناء حظائر للبعوض في حقل بجنوبي جامبيا لدراساته حول أحياء البعوض.
وكلما اقترب موسم الأمطار، ينصب فريق البحث شباكه حول مخابئ البعوض المشتبه فيها، مصمما على التقاط البعوض لدى أول ظهور له، وهو ما لم يتمكن منه.


تعقب الروائح

ولم يكن مشروع ليمان أول مشروع يخفق، فمنذ نحو 15 عاما، مضى فريديريك سيمار خبير علم الحشرات الطبي بمعهد بحوث التنمية نحو مسعى مماثل إلى السنغال بموسم الجفاف، وأقام الفخاخ حول أكبر عدد ممكن من نقاط الاختباء يمكن أن يتخيلها، لكن دون جدوى.
ويقول سيمار: لم يكن هناك أي دليل على بعوض مستريح في أي مكان رغم الجهود الضخمة، الأمر يشبه البحث عن إبرة في كومة من القش.
ونظرا لكثرة المحاولات الفاشلة قبله، قرر ليمان أن يأتي باستراتيجية أكثر استهدافا عندما سمع عن كلاب يمكنها التعرف على حشرة الفراش، وتولدت في ذهنه فكرة استخدام الكلاب.
وعزم ليمان على إيجاد وسيلة لإعطاء البعوض رائحة زيت نجيل الهند، وهي ليست رائحة كريهة أو سامة، ولذلك لن تعوق عمل الباحثين، إلا أن الباحثين وجدوا أن رش البعوض بنجيل الهند يقتله، لذلك أغرقوا قطعا صغيرة من الخيوط في الرائحة، ثم ألصقوها على بطون الحشرات.
وفي غضون ذلك، دعا ليمان فايس إلى فرصة تدريب كلب على تتبع البعوض المعطر، رغم أن مدربين قبله رفضوا الفكرة لكونها مستحيلة، وقام فايس بتدريب الكلبة (دانا)، متيحا لها أن تشم ستة صناديق من الورق المقوى، بينما طارت الكلبة مع فايس إلى دولة مالي في أوائل 2012، وبمجرد أن وصلت إلى قرية تييرولا، استطاعت على مدار شهر أن تجد خيوطا معطرة مخبأة في ثقوب طبيعية، كما وجدت البعوض المعلم بخيوط معطرة.


9 أماكن

كان الأمل في أن يقود البعوض المعطر الباحثين إلى مخابئه السرية، بيد أن مالي اجتاحها انقلاب عسكري آنذاك، فغادر ليمان بعد فترة وجيزة وترك مشروع مطاردة البعوض في يد أداما داو عالم الحشرات بمركز بحوث وتدريب مكافحة الملاريا بجامعة باماكو، الذي كان يقود الجزء المحلي من الفريق.
أسفر عمل الكلاب بموسم الجفاف في مالي، الذي استمر حتى ديسمبر 2013، عن نحو تسعة أماكن اختباء مشتبه فيها، وقادت الكلاب بشكل مستقل الفريق إلى ثقوب الأشجار الصغيرة نفسها، والثقوب المفتوحة في الأرض قرب الأشجار، وتلال النمل الأبيض القديمة، ومعظمها ضمن 1.5 كيلو متر من القرية تقريبا، بينما أقيمت شبكات حول مختلف أنحاء المخابئ المحتملة في نهاية موسم الجفاف، ولكن مثل كثير ممن جاؤوا قبلهم، لم يجد الباحثون أي جحافل من بعوض البيات الصيفي.

 

في نيتشر عدد سبتمبر

  • - مخاطر الانهيارات الأرضية تتصدر جدول الأعمال
  • - مشروع يسبر أغوار زلزال مقبل
  • - استطلاع دقيق لأعماق بركان
  • - عـلاج الإيبـولا رَهْـن النسـيان
  • - براعم الاندماج النووي
  • - الحيـاة الصحيـة تحتـاج إلى إدارة عالميــة
  • - التيفـوس والحُكْــم الاستبـدادي