حول المأخذ العقدي على وجود القبر في المسجد.. محاولة للفهم
الأربعاء، ٢٧ أغسطس ٢٠١٤
بوسع المتخصصين بالشريعة وعلومها عقيدةً وفقهاً وأصولاً، الرد على الباحث الغيور، الذي انتهى في بحثه إلى إعلان اكتشاف ماسمَّاه: (مأخذاً عقدياً في وجود قبر الرسول صلى الله عليه وسلم في المسجد النبوي). وهو المأخذ الذي لم تتنبه له الأمة منذ ألف عام، بعلمائها من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان. وقد فاته أن هذه القضية أُشبعت بحثاً وتجليةً وتحريراً. ولست هنا في وارد مساجلة الباحث الكريم في ذلك، لأن ما ادعاه يخالف ما صار إليه إجماع أمر المسلمين من صفوة أبناء وأحفاد الصحابة، ثم كبار التابعين الذين ليس آخرهم العشرة الأخيار من فقهاء المدينة، الذين اصطفاهم عمر بن عبدالعزيز - برواية ابن الجوزي وابن كثير- واستنار بإقرارهم لما عدَّه الباحث (مأخذاً عقدياً...) وسارت الأمة من قبل ومن بعد على ذلك، دون أن تحتاج إلى منْ يجوب ضمائر وأفئدة أفرادها ليكتشف المأخذ العقدي في تصوراتهم.
وما أراه جديراً بالتوقف لدى هذا الباحث؛ هو ذلك الولع بمفردات مثل: (طمس، هدم، إزالة، عدم تجديد) التي وردت في سياق التوصيات التي انتهى إليها في دراسته، إذ يطالب بهدم الجدار القبلي للمسجد النبوي؛ لإخراج القبر الشريف من الحيز الشريف للمسجد، ويطالب بطمس الأبيات الشعرية التي تحيط بالحجرة، وطمس أسماء الصحابة والأئمة من الحصوتين، وعدم تجديد رخام الأسطوانات الشريفة، وعدم تجديد طلاء القبة الخضراء وإزالة تاجها النحاسي.
ولست أدرك أسرار هذا الولع بـ(الطمس والإزالة والهدم)، ولا أستطيع الخروج بتصور لمآلات هذه (التوصيات العلمية) للباحث، إلا أنها ضد قيم المعرفة التي هي كشف وبحث وإضافة وبناء، وليست تشبثاً بتغيير جغرافيا معالم المسجد الشريف التي استقرت في أذهان المسلمين، وتجريف للصورة البصرية التي تكونت لديهم عن تلك الرحاب المطهرة، وعبث بالموروث المعرفي التاريخي والحضاري والجمالي، الذي تضمه مكونات المسجد النبوي كافة، ومجافاة للطبيعة البشرية التي تأنس لتلك المعالم والمكونات، التي صارت عنصراً أصيلاً من عناصر بنية الجلال والجمال لهذا المسجد العظيم، وتعدٍ على حق الأمة التي استقرت مداركها وتواترت واطمأنت على معرفة جغرافيا ومكونات وعناصر المسجد على تلك الصورة العلية البديعة، وتوارث علماؤها ومؤرخوها في مدوناتهم تلك الهيئة التكوينية، وسجُّلوها ورصدوا تفاصيلها وجزئياتها على نحو موثق أمين عبر التاريخ، حتى عهد الملك عبدالعزيز، رحمه الله، الذي زار المسجد النبوي الشريف، وأمر بتوسعته وإعادة طلاء الواجهة القبلية الشريفة التي يطالب الباحث بهدمها.
وجماع أمر مطالبات الباحث الكريم وتوصياته؛ تسعى لهدف نبيل نصَّ عليه بقوله: (حماية لجناب التوحيد ودرءاً لشر الشرك والتوسل والاستغاثة بالرسول، صلى الله عليه وسلم، وهو ميت). وأقول له:
كم من آثار نبوية هُدمت ..وكم من معالم تاريخية أُزيلت..وكم من شواهد معرفية أُفنيت تحت ستار هذه الذريعة..؟ ولست أعلم ماهو منتهى دعوى المحافظة على جناب التوحيد ودرء الشرك - الذي لا أعلم بمن يفترضه؟- وما هي دواعي وشروط هذه المحافظة حتى نحققها بمزيد من التعدي على الآثار النبوية والتاريخية والمعالم الحضارية ..التي تنبهت الحكومة الرشيدة لها أخيراً، وأوكلت أمرها إلى مؤسسة رسمية تحميها، وتصون ما بقي منها.
ثم ألم يجد الشيخ الباحث الكريم من الأولويات الكارثية التي تعصف بالأمة وتهدد أمنها، وتدور أخطارها حول تخوم الوطن، ومن الأفكار والمعتقدات التي تعشش في أدمغة بعض أبنائه؛ ما يستحق أن يوليه طرفاً من اهتماماته البحثية واجتهاداته العلمية.
ألا يلتفت - رحمني الله وإياه - وهو الحصيف المدرك لضرورة فقه الواقع في عصرنا - إلى الدعاوى والمعتقدات والأفكار التي سمَّمت أذهان أبنائنا وأوردتهم أتون الإحن ومشاهد الموت المجاني، فيمعن نظره الكريم فيها، ويجتهد في تقويمها وإصلاحها، بدل افتراض الشرك والتوسل والاستغاثة...إلخ.. في عامة المسلمين، والمطالبة بتقويض معالم عهدوها وألِفوها في مسجد نبيهم عليه الصلاة والسلام.
ألا يدرك – وفقه الله - أن إعادة وبعث مثل تلك الشُّبهات والفرضيات الوهمية، وتسخينها فيه إلهاء للأمة عن المُلِح والخطير من قضاياها؟ وفيه اجتلاب الزرية على علمائنا، أن يكون شاغلهم مثل ما تفضل به؟
ألم تستعد مثل هذه الدعاوى علينا السخرية والإسقاطات من العلماء والباحثين الذين يضج بهم العالم الإسلامي..وأصبحنا بسببها وأشباهها مدعاة للانتقاص والتجهيل والاتهام بالتطرف، وهو ما نربأ بالشيخ الكريم وبالجادين الحقيقيين من علمائنا عن دنيته ومنقصته وسقطه؟
وكم نتوسم بالشيخ الباحث الكريم وأمثاله من الباحثين والمجتهدين، إلى أن يولّوا شطر الوطن عمقه وحاضره ومستقبله وفكره وقضاياه الجادة، والمخاطر التي تحاك له في الظلام من الظلاميين والأدعياء وأعداء الحياة؛ ليكشفوا زيفها ويخلِّصوا الوطن وأبناءه من أوضارها وظلالها وظلماتها. ولله الأمر من قبل ومن بعد.