الفكرتان الرئيستان لأيديولوجيا العنف الديني
الأربعاء، ٢٧ أغسطس ٢٠١٤
لا يمكن فهم العنف الديني الذي تعاني منه المجتمعات العربية دون الوقوف على الأسس الفكرية التي يستند عليها ذلك العنف، والقارئ لخطابات أصحاب العنف الديني والمتابع لأعمالهم يجد أنها ترتكز على إيجاد وسيلة دينية لاستباحة الدماء، وهذه الوسيلة الدينية هي (التكفير)، والمكفرات التي ينفذون من خلالها لاستباحة الدماء كثيرة جدًا، وهذه المكفرات الكثيرة هي لوازم منبثقة عن فكرتين اثنتين؛ وهما فكرة (الحاكمية)، وفكرة (الولاء والبراء)، وللدقة العلمية فإن هاتين الفكرتين جاءت بهما النصوص الدينية، لكن أصحاب العنف بالغوا فيهما من ناحيتين؛ من حيث جعلهما الفيصل بين الكفر والإيمان بإطلاق دون تفصيل، ومن حيث تعميم تنزيلهما على الواقع العملي، والقارئ للتراث يجد أن أول من أخطأ في تنزيل فكرة (الحاكمية) على الواقع هم الخوارج حيث رفعوا شعار (لا حكم إلا لله) بعد حادثة التحكيم، وقالوا لعلي بن أبي طالب: “حكَّمْتَ الرجال في دين الله”، وكفَّروه، وأعلنوا الحرب عليه، وأول من جعل (الولاء والبراء) من أساسيات الدين هم الشيعة بعد أن تحول التشيع من تشيع سياسي في بدايته إلى تشيع أيديولوجي في المائة الثانية من الهجرة؛ إذ جعلوا الولاء لأهل البيت والبراءة من أعدائهم من أساسيات الدين.
وفكر العنف الديني في واقعنا المعاصر يقوم على تينك الفكرتين؛ فيتفرع عن فكرة (الحاكمية) - وهي أن الحكم لله وحده، وكفر من لم يحكمْ بما أنزل الله بإطلاق - لوازم عديدةٌ؛ كتكفير الحكام الذين لا يحكمون بما أنزل الله، وتكفير علماء الدين الذين يعملون معهم، وتكفير القضاة الذين يعملون لصالح تلك السلطات، وتكفير جنود الجيوش التي تحمي تلك الدول التي لا تحكم بما أنزل الله، واستباحة دمائهم، وحلِّ أموالهم، ووجوب قتالهم، وتكفير مَنْ لا يكفر من سبق ذكرهم من الحكام والقضاة والعلماء والجنود، وتكفير أي سلطة تنظم لأي مؤسسة دولية كالأمم المتحدة؛ لأنها تتحاكم إلى غير شرع الله، وهذا التكفير كله متفرع – كما ذكرت سابقًا - عن القول بكفر من لم يحكم بما أنزل الله مطلقًا دون تفصيل، مع أن الفكر السلفي يفرق بين المستحل للحكم بغير ما أنزل الله؛ وهذا كافرٌ بالإجماع، والحاكم بغير ما أنزل الله وهو غير مستحل؛ فهذا عاصٍ ،كما قال ابن عباس في تفسير قوله تعالى : “ ومَنْ لم يحكُمْ بما أنزلَ اللهُ فأولئك هم الكافرون” قال : هو كفر دون كفر، وقال مثل ذلك عطاء ومجاهد وعكرمة والإمام أحمد بن حنبل، و القول بتكفير تارك الحكم بغير ما أنزل الله مطلقًا دون تفصيل إنما انتشر وساد بعدَ أطروحات أبي الأعلى المودودي، وسيد قطب في شرك الحاكمية، ثم بداية من الستينات الميلادية؛ ونتيجة لصعود (الحَرَكية الإسلامية) في مواجهة اضطهاد السلطات أصبح كثيرٌ من الإسلاميين يتشدَّدُ في القول في هذه المسألة، ويرى كفر من لم يحكم بغير ما أنزل الله مطلقا؛ لأن تلك المقولة أصبحت هي العلامة الفارقة بين الإسلاميين الحركيين والإسلاميين التقليديين الملتحقين بالحكومات، مع أن كبار علماء التيار السلفي يفصِّلون؛ فهم لا يرون كفر من لا يستحل، قال ابن عثيمين عمن يشَرِّعُ : “وأما إذا كان الحاكم يُشَرِّعُ حكماً عاماً تمشي عليه الأمة يرى أن ذلك من المصلحة...، وكان يَعْلمُ الشرعَ، ولكنه حكم بهذا، أو شرَّع هذا، وجعله دستوراً يمشي الناس عليه؛ يَعْتقد أنه ظالمٌ في ذلك، وأن الحق فيما جاء به الكتاب والسنة؛ فإننا لا نستطيع أن نُـكفِّر هذا، وإنما نُكَفِّر من يرى أن الحكم بغير ما أنزل الله أولى أن يكون الناس عليه، أو مثل حكم الله عز وجل فإنَّ هذا كافر”.
وأما فكرة (الولاء والبراء) فإن أول من بالغ في تطبيقها على الواقع بعض متأخري علماء الدعوة السلفية في عصر الدولة السعودية الثانية، وهي وجوب البراءة من غير المسلمين، وإعلان العداء لهم، وبغضهم مطلقًا دون تفصيل، ومن لوازم هذه الفكرة إعلان العداوة لغير المسلم، وبغضُهُ، وتكفيرُ من أعان غير المسلمين على المسلمين، وتحريمُ السفر لبلد غير مسلم إلا للضرورة، وحرمةُ التشبه بأي شيء من أحوال غير المسلم من ملبس وعادات وتقاليد، والتحذيرُ الـمَرَضي من (التغريب)، وتحريمُ الحوار بين الأديان، وتحريمُ القول بالتعايش بين الأديان والطوائف، ويتفرع عنها – أيضًا – حرمة الولاء لغير الدين كالوطنية والقومية إلا إذا كان ضمن الولاء للدين.
هاتان هما الفكرتان الرئيستان في فكر العنف الديني، وأي محاولة لمحاربة العنف يجب أن تبدأ من تفكيك تينك الفكرتين وما تفرع عنهما من أفكار، ومما يُشْكِلُ في هذا أن هناك كثيرين يشاركون أصحابَ العنف في هذه الأفكار على صعيد التنظير، لكنهم يختلفون معهم في التطبيق، ومحل التنزيل في الواقع.