سياسة الاستقطاب في تركيا

تركيا تعاني من أجندة سياسية مزدحمة وصلت إلى ذروتها خلال الاحتجاجات التي شهدتها ساحة حديقة (جيزي بارك)، واستمرت في التحقيقات في قضايا الفساد، ومن ثم في الانتخابات المحلية، وفي الدعاية السلبية جداً ضد مجموعات المجتمع المدني، وأخيراً في حملات الانتخابات الرئاسية. من هذا المنطلق، يمكن القول إن هذا التخمين المتعب هو نتيجة طبيعية لسياسات الاستقطاب الغامضة التي تتبعها حكومة حزب العدالة والتنمية في تركيا.
وسط هذا الجو المشحون والسيئ، أجرت تركيا الانتخابات الرئاسية في 10 أغسطس، 2014. ولأول مرة في التاريخ السياسي في تركيا، تم انتخاب الرئيس التركي من خلال الانتخاب الشعبي المباشر بدلا من التصويت في البرلمان. بالرغم من حقيقة أن نظام الانتخابات الرئاسية كان يبدو أنه يتم وفقا لآليات وأدوات الديمقراطية الليبرالية العالمية، إلا أن طبيعتها التنافسية السلطوية ظهرت بسبب عدم تساوي الفرص خلال دعايات الحملات الانتخابية لكل مرشح من المرشحين. بالنسبة لإحصاءات الظهور الإعلامي للمرشحين كما كان عليه الأمر في 20 يوليو، حصل الرئيس المنتخب رجب طيب إردوغان على تغطية في القناة الإخبارية الرسمية (TRT) بمعدل 8 ساعات، بينما حصل المرشحان الآخران، صلاح الدين دميرتاش و أكمل الدين إحسان أوغلو، على تغطية إعلامية لم تتجاوز ساعة ونصف للأول وثلاث ساعات للثاني في الفترة الواقعة بين 14-20 يوليو. بعد أخذ كل المتغيرات في الاعتبار، لدينا الآن حقيقة أن إردوغان أصبح الرئيس رقم 12 لتركيا.
في هذا المجال، يمكن القول أن كلا من تركيا والمجتمع الدولي يتساءلان عن مستقبل الاستقطاب السياسي والاجتماعي في تركيا في فترة حكم الرئيس التركي الجديد. الانتقادات المتزايدة التي تأتي من أحزاب المعارضة، ومنظمات المجتمع المدني، وعدد من المفكرين تتركز على أن آليات صناعة السياسة لحكومة حزب العدالة والتنمية تحد من عملية التغيير الديمقراطي في تركيا. على هذا الأساس، فإن العقبة التي تواجهها تركيا الآن لا تتعلق بشكل مباشر بفوز إردوغان بمنصب الرئاسة، ولكن بالمؤسسات الديمقراطية الحالية، والتي تم تقويضها والتقليل من شأنها بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة. القرارات السياسية لصالح الاستقطاب السياسي لها أثر على ذاكرة الشعب بإحداث صدمة متصاعدة كما هو الحال في احتجاجات حديقة (جيزي بارك). خلال الاحتجاجات، سقط عدد لا بأس به من القتلى والمصابين إصابات خطيرة؛ وتم حجب مواقع الإعلام الاجتماعي، مثل تويتر ويوتيوب وفيس بوك، عن شبكة الانترنت ووقعت حالات توقيف كبيرة ومثيرة للجدل في شتى أنحاء البلد. وبعد ذلك، تعرضت مجموعات المجتمع المدني إلى ضغوط سياسية إلى جانب فرض عقوبات مالية على عدد من الشركات.
في هذه النقطة، أود أن أؤكد مرة أخرى أن السبب الرئيس للاستقطاب السياسي والاجتماعي في تركيا ليس وجود إردوغان في منصب الرئاسة أو الاعتراض عليه. التوتر السياسي والاجتماعي ينبع من موقف الرئيس إردوغان وموقف فريقه السياسي الذي لا يتوافق مع المبادئ والمؤسسات الديمقراطية المعاصرة، بما في ذلك حرية الكلمة، وحرية الإعلام، والنظام الانتخابي المتساوي والعادل وجهاز دولة شفاف وخاضع للمحاسبة. بعبارة أخرى، يمكن القول إن إردوغان وفريقه السياسي لم يقدموا نتيجة نهائية لائقة تتطابق مع المبادئ الديمقراطية المعاصرة في نهاية السنوات الـ 12 التي قضوها في الحكومة. من المخيب للآمال أن تطبيقاتهم وتصريحاتهم السياسية هي الأسباب الرئيسية للاستقطاب في تركيا.
بالنسبة للسياق، يمكن القول إنه، بعد رئاسة إردوغان، هذا الجدل وهذه الخلافات سوف تستمر في محور مماثل، حيث إن إردوغان وفريقه السياسي أعلنوا أنهم سيطبقون نفس النهج السياسي السابق. في نهاية المطاف، فإن النقطة المهمة ستكون الجدل بين التطبيقات العادية غير الديمقراطية والنظام الدستوري العادي، والتي سوف تحفز ظهور ظروف سياسية فوضوية جديدة. في واقع الأمر، استنادا إلى هذه الحقيقة، من الصعب التنبؤ بأننا سنتجاوز هذا الاستقطاب في العهد الجديد. بهذا الخصوص، سيكون من الأفضل ملاحظة أن الرأي العام واللاعبين السياسيين والمجتمع المدني سيلعبون دورا حاسما في مستقبل الديمقراطية في تركيا وفي تخفيف تداعيات الاستقطاب المتزايد. بالرغم من حقيقة أن المصالح السياسية للرئيس المنتخب رجب طيب إردوغان وفريقه السياسي ستكون مهمة لكل من مستقبل تركيا ولمستقبلهم السياسي في الفترة الرئاسية الحالية، إلا أن هذا لا يمكن أن يستمر لفترة طويلة باستخدام سياسات تطبيقات واستقطاب غير ديمقراطية.
* أكاديمي تركي وباحث في العلوم السياسية