مسلمون في أتون الإسلاموفوبيا
الثلاثاء، ٢٦ أغسطس ٢٠١٤
بالرغم من أنّ حبراً كثيراً أُريق من أجل الوقوف على نشوء ظاهرة الإسلاموفوبيا ومناقشتها وسبر أغوارها، إلّا أنّ نذرا قليلا مما جاء يمكن اتخاذه معبّرا عن الحالة في شكلها الحقيقي بتأصيلها وتحليلها، بمعزل عن التسطيح والتشويش الإعلامي.
ظهرت «الإسلاموفوبيا» لتعبّر عن ظاهرة عنصرية متزايدة إزاء المسلمين في المجتمعات الغربية، تستغلها بعض مؤسسات اليمين المتطرف وأحزابه، وهي ليست بنت اليوم وإنّما اجترّها الغرب كصورة نمطية سيئة رسمها اللاهوتيون للإسلام والعرب منذ بداية علاقة الغرب بهما في القرون الوسطى.
كما أنّ هذه الظاهرة وما تعنيه من رهابٍ وخوفٍ من الإسلام لدرجة التوجس من شعائره ومعالمه، والنفور من ملامح المسلمين وأزيائهم في الغرب ليست وليدة إعلام عابر ولا هي نتيجة أهواء ونوازع مريضة لرسامي كاركاتيرات فحسب وإنّما هي أعمق من ذلك بكثير.
ومعنى الإسلاموفوبيا كما جاء في صكّ المصطلح هو «خوف مرضي غير مبرر وعداء ورفض للإسلام والمسلمين». وقد يكون في نعت الظاهرة بأنّها مرض عذرٌ لما يقوم به الغرب تجاه المسلمين وما يحسّونه تجاه الإسلام، في الواقع لا مبرّر لإطلاق المصطلح على ظاهرة تتفاقم لأسباب سياسية واجتماعية وتتفاوت إجحافاً من مجتمع غربي إلى آخر.
وفي الوقت الذي يرى فيه الغرب استخدام ممارسات تمييزية ومهينة تجاه المسلمين، واعتبار العداء لهم أمراً طبيعيّاً ومبررّاً، يتحلّى هذا الغرب بحساسية متزايدة بالنسبة للعداء للسامية واعتبارها عنصرية صريحة يعاقب عليها القانون.
قدّم بعض الكتّاب العرب حصيلة علمية شاملة لظاهرة الإسلاموفوبيا وإبرازها كبنية فكرية وسلوك أيديولوجي، وهذا السلوك تمّ تفسيره بأنّه تجسيد للروح الاستعمارية ضد المهاجرين من شمال أفريقيا وتعميمها على المسلمين من أصول عربية. ولكن لا يمكن فهم ظاهرة الإسلاموفوبيا خارج سياقها التاريخي والسياسي والاجتماعي الذي يؤكد استمرار التعامل الاستعماري مع أبناء مستعمرات أفريقيا الشمالية. ولم ينسَ هؤلاء أن يسردوا كتابات لغربيين روجوا للإسلاموفوبيا مثل الإيطالية أوريانا فلاتشي التي وصفت المسلمين بالفئران في كتابها «الغيظ والكبرياء». ثم ميشال أولبيك الذي قال «إنّ الإسلام أكثر الأديان بلاهة» وقال إنّنا «ننهار حينما نقرأ القرآن»، وسمّى المسلمين بـ»سكان الصحراء التافهين».
سألت الأمين العام السابق لمنظمة التعاون الإسلامي، الدكتور أكمل الدين إحسان أوغلو في حوار صحفي 2011، عمّا بذلته المنظمة للتصدي لهذه الظاهرة، خاصة مع زيادة خطورتها على المجتمعات المسلمة في أوروبا. فردّ الأمين العام الذي أصدر كتاباً عن ذات الموضوع العام الماضي، بأنّ العمل في قضية كمسألة الإسلاموفوبيا، لا يجب أن تكون مسألة فعل وردة فعل، لأنّها نتاج لاحتكاك ثقافي في أتون ضيق، ويجب الأخذ في الحسبان مسائل عدة قبل معالجتها.
عند الشروع في التعامل مع ظاهرة مثل الإسلاموفوبيا بغرض معالجتها فإنّ ذلك يتم بأسلوبٍ يجب ألّا يكون انفعالياً، بل مدروساً، وبإيجاد شراكة مع الجهة المقابلة، تتفهم جذور المشكلة، وتتعاون في وضع الحلول، وهو ما قامت به منظمة التعاون الإسلامي في خطّ طريق لتفعيل حوار الثقافات والحضارات. وأظهرت التجارب أنّ منتديات تحالف الحضارات التي تؤمها مؤسسات غربية تبدي كثيراً من التفهّم وإدراك المشكلة واستعدادها للمشاركة في تشخيصها ومعالجتها.
أمّا ما هو جدير بالتركيز عليه في حديث الدكتور أوغلو فكان تذكيره بالأخذ في الاعتبار أنّ الجاليات المسلمة في أوروبا إنّما هي جزء من نسيج اجتماعي لتلك الدول، وعليها أن تكون فاعلة بشكل إيجابي، تماماً كما على تلك الدول أن تحترم ثقافات وخصائص تلك الجاليات باعتبارها حقوقا أساسية تكفلها الدساتير والمواثيق الدولية.
عند وضع الإسلاموفوبيا تحت المجهر بشكل صحيح فهي لا تظهر مجرد ثنائية أو تضاد ثقافي. وهذا يشجّع على الدفع باتجاه حوار حضارات لا يقف عند حدود التعايش والفهم المتبادل، بل يتعداه إلى التعاون والتكامل، خاصة في وجود شخصيات مستنيرة مثل رواد الحركة الاستشراقية الذين استطاعوا تكوين بعض المواقف الإيجابية عن الإسلام والمسلمين.