عام دراسي جديد.. بين وعد ووعيد!
الثلاثاء، ٢٦ أغسطس ٢٠١٤
كان يفترض أن يكون الحديث اليوم عن السياحة الداخلية، بعد تجربة مريرة لم يدر في خلدي أنها ستكون بهذه القسوة. وقد قامت الهيئة العامة للسياحة والآثار بتخصيص خدمة جديدة بمسمى «خدمة لكتّاب الرأي».
لكن انطلاقة العام الدراسي الجديد صباح الأحد القادم جعلني أهتبل هذه الفرصة، وأغتنم قدوم العام بإبداء بعض المرئيات نتيجة خبرة في الميدان التربوي بشكل عملي ولمدة تجاوزت ربع قرن من الزمان.
فهذا العام يعد هو الأول بعد تغيير رأس الهرم في الوزارة، ويمثل تحديا جديدا للنجاح الذي يأمله المجتمع؛ فهذه الوزارة يراهن الجميع عليها؛ فهي أساس التنمية ومنطلق التقدم ومصدر الرقي لهذا المجتمع، وهو شأنها في كل المجتمعات.
وكانت المفاجأة هو ذلك التهديد والوعيد الذي جاء متزامنا مع عودة المعلمين والإداريين من الجنسين من خلال تعميم عاجل، تم إرساله إلى جميع إدارات التربية والتعليم بالمناطق والمحافظات، بضرورة تكليف المشرفين والمشرفات وكذلك موظفي المتابعة بالوزارة وإدارات التربية والتعليم، للقيام بجولات ميدانية على كل مدارس البنين والبنات يوم الأحد الماضي، على أن يتكرر ذات المشهد الأحد القادم.
وفي الوقت الذي لا نثرّب فيه على مثل هذا الإجراء الذي يهدف بطبيعة الحال إلى الانضباط، إلا أن لغة التهديد لا ينبغي نشرها بهذه الصورة، فالمعلم يكفيه ما يعانيه من نشر لمثل هذه التعاميم التي تزيد من إحباطه ولا تشحذ همته، والانضباط ثقافة وفي ذات الوقت هو سلوك يجب أن يطبق ويمارس على أرض الواقع، والمعلم والمعلمة هما القدوة والمثال الأعلى لغرس هذا السلوك، وكونه ينبع من الذات أولى من فرضه بالقوة، وبخاصة إذا ما علمنا أن هذا الأسبوع المنتهي غدا لا يوجد فيه طلاب وطالبات.
لقد كانت لغة الترحيب بهم أفضل من لغة التهديد، خصوصا أن هناك معلمين ما زالوا مغتربين ويتكبدون عناء السفر تقيدا بالنظام ليفجؤوا بلغة التهديد والوعيد تتناقلها وسائل الإعلام، وهم يعانون من عدم الاستقرار؛ حيث يعملون لسنوات خارج مدنهم!
وهذا يخالف التحفيز الذي وعد به سمو الوزير، وقد بشّر القيادات التربوية بأكبر حزمة تحفيز يشهدها التعليم في المملكة، وأشار إلى أنه سوف يُعلن عنها قريبا، وشعارها «أبدع تُكرّم» وسوف يستفيد منها المبدعون من جميع العاملين التربويين، بدءا من القيادات التربوية والمعلمين والمعلمات ومن في حكمهم، وفق نظام تحفيزي ذُكر أنه يجري الإعداد له باهتمام كبير.
كما يخالف التصريح الذي جاء فيه أن العنصر الرئيس في المنظومة التربوية والتعليمية هو (المعلم)، وأنه يجب أن يُعطى الاهتمام الكافي، وأن يُكرم وأن تكون له هيبته ومكانته في مدرسته وبين طلابه، ويعان ليكون قدوة حسنة، متمكنا من مهنته، جديرا بتحمل المسؤولية، قادرا على إيصال المعلومة والمهارة والقيمة إلى ذهن الطالب لتكون سلوكا وعادة في حياته العامة، فيكتشف قدرات الطالب وميوله وهواياته ليحدد السبيل الأفضل لمستقبله.
إن المؤمل من الوزارة في ظل قيادتها الجديدة هو السعي الحثيث لعودة مكانة العلم وهيبته، وتفعيل الدور الإعلامي الذي يؤكد على هذه المكانة، وفي ذات الوقت يرجو الجميع انحسار ظاهرة التعاميم التي عفا عليها الزمن، والتشديد على ذلك بحيث تكون في أضيق الحدود وبسرية تامة، فهي ظاهرة سلبية، قضّت مضاجع المعلمين حتى باتو لا يأبهون بها والتوقيع عليها دون قراءة.
إن التكامل الإعلامي التربوي ضرورة ملحة، وتفعيله يمثل شريكا أساسيا لنجاح العملية التربوية بشكل عام؛ فإبراز المتميزين من المعلمين والمعلمات وتكريمهم يمثل حافزا، وكذلك الحال بالنسبة للطلاب والطالبات، والواقع يؤكد أن التحفيز غائب، والإحباط يمثّل ظاهرة في الميدان التربوي، ويبدو أن نظام الخدمة المدنية له الدور الأكبر في ذلك؛ فالمجتهد والخامل، والمنضبط والمتسيب هم في نهاية العام يحصلون على ذات العلاوة دون تمييز، وهذا مؤسف حقا، وآثاره السلبية أرخت بظلالها على المشهد التربوي والعملي بشكل عام.
المجتمع يتطلع لعام دراسي مختلف، في كل جوانبه، ويطمح لرؤية ميدان تربوي يواكب ما يحمله كل مخلص من آمال، تتمثل في بيئة تربوية ملائمة، ومعلم مؤهل له مكانة ومهابة، ومناهج حديثة شكلا (فتختفي الورقية) ومضمونا (من حيث التقنية وما طرأ عليها)، ليكون المُخرج طلابا وطالبات يمثلون مفخرة للوطن. فهل يتحقق ذلك في نهاية عامنا الجديد، الذي سينطلق الأحد القادم؟!