لو كنت أعلم

قد لا يتفق أو يتفق القارئ العزيز معي إن قلت بأن المعرفة قوة تفوق في عظمتها أكثر أنواع الأسلحة فتكا وتطورا.
والسبب ببساطة، أنه من دونها، ما صُنعت تلك الأسلحة.
هي كذلك، وبخاصة، إن تمكن الإنسان من الاستحواذ عليها بأسبقية وبحصرية.
يزخر العالم المعاصر بالآلاف من الشواهد الحية التي تبرهن على ما قدمته المعرفة المتطورة للبشرية من قوة، سلطة، ثروة، أمان، ورفاهية.
فمثلا، ساهم تطور المعرفة بعلوم الفضاء في ظهور الأقمار الاصطناعية، ولا يخفى على أحد، ما أحدثته تلك الصناعة من تغييرات جذرية على البشرية بالعقود الأخيرة على عدة أصعدة.
وبغض النظر عن طبيعة المعرفة المراد تملكها، نجد هناك اهتماما كبيرا من قبل العديد من الجهات كالبنوك والشركات ومواقع التواصل بالانترنت للاستحواذ على بيانات عملائها وتحضيرها في قوالب يمكن المتاجرة بها.
وإن دل ذلك على شيء، فإنما يدل على وجود ميزة معرفية من وراء امتلاكها، تعيها جيدا الجهات التي تشتريها.
الذي يهمني اليوم، هو تعزيز أواصر المودة والألفة بين الإنسان الذي أصفه بالمندهش «أو الحائر» وبين المعرفة.
في الحياة الاجتماعية، يعيش الإنسان تحت سيطرة تفضيلات من يسبقه بالسلم الاجتماعي، وكلما تصادم مع تلك التفضيلات، التي لم يملك يوما اختيارها، أصابته الدهشة «أو الحيرة» حول ماهيتها، أسباب نشوئها، سر نفوذها، وكيفية مواجهتها.
تستمر معه تلك الحيرة حتى يمتلك الوعي التام بها (العلم بتفاصيلها المهمة)، ليتمكن من مواجهتها بالشكل الأمثل الذي يخفف من سطوتها عليه ويحقق له ذاته.
ولكن قد يأخذ «تكوين الوعي» وقتا ليس بالهين من عمر الإنسان وقد يضيع عليه العديد من الفرص إلى حين امتلاكه.
بالرغم من أن حب المعرفة شيء فطري، وتتبدى أعراضه على الإنسان في أحيان كثيرة، إلا أنه قد لا يدرك ذلك، وقد لا يدرك أيضا مدى تعلقه بها، ومدى حاجته إلى تطوير أدواته المعرفية إلى المستوى الذي يمكنه من الفهم الصحيح «والمبكر» لما يراه أو ما يحيط به، فيتمكن من خلق حيزه الخاص وبث تفضيلاته من خلاله (وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ).
يعاب على الإنسان أنه يبالغ في الإعجاب بحواسه، فيظن أنها تنقل له الحقيقة نقية وخالصة.
والواقع، الحواس هي أبسط أدوات المعرفة وأكثرها بدائية، وغالبا ما تفشل في الوصول للحقيقة.
والسبب هو اعتمادها الكلي على العقل أو الذاكرة في التعرف على الأشياء والتنبؤ، وإذا لم يملك العقل معرفة متقدمة وأدوات معرفية ملائمة، قد لا يصل للفهم الصحيح مبكرا، أو قد يصل إليه ولكن بصيغة ملتبسة، تضعه ضمن حيز يخدم تفضيلات من يتفوقون عليه معرفيا لاعتماده عليهم.
ونظرا لضعفه المعرفي، إذا شعر بوجود شيء غير مألوف ومثير للدهشة والمخاوف، سيقوم بطلائه من ألوان كان يعرفها مسبقا عن أشياء شبيهة، غير مدرك التشويه والتشويش الذي يرتكبه في حق الشيء وفي حق مستقبله، الذي لا يمكن أن يبنى إلا على الوعي السليم بحقيقة الأشياء والأسبقية المعرفية.