الومضة نوعًا أدبيًّا
الاثنين، ٢٥ أغسطس ٢٠١٤
تتّصل الكتابة الومضيّة أو الشذريّة اتّصالاً وثيقًا بتقليد عريق سار عليه الفلاسفة منذ القدم، ووطّأ له المتصوّفة وكبار الكتّاب عبر الزمن، لذا نجد أصداء هذا النوع الأدبيّ (الومضة أو الشذرة هي الإبغراما: شعريّة أو نثريّة) في شذرات هيراقليطس في جدل الحبّ والحرب، ومواقف النفّري ومخاطباته، وفصول المعرّي وغاياته، وحكم السكندري، ووصايا ابن عربي، وإبغراما الشعر لدى غوته الألماني، ودَن وجونسون وماثيو بريور من الإنجليز، وأقوال نيتشه الفلسفية في كتبه، وشذرات طاغور الهندي، وإبداعات جبران في النبي ورمل وزبد، وفي جنة شوك طه حسين، ورفات عقل حمزة شحاته، وفي ديوان الإبغراما الشعريّة دمعة للأسى .. دمعة للفرح لعزّ الدين إسماعيل.
ولعلّ بذور هذا النوع الأدبيّ المتجدّد دائمًا تكمن في البدايات الأولى لوعي الإنسان على العالم قبل أن يجترح الكتابة، فلقد تناقل الإنسان قديمًا حكم الأوائل ممّن سبقوه، حفظًا واستظهارًا، فعرف بهذه الأقوال والشذرات خلاصات تجارب الأنبياء والحكماء والفلاسفة والشعراء، وظهر الأمر جليًّا في طبيعة الشعر العربيّ القديم الذي قام على وحدة البيت الشعريّ؛ فسهل حفظه، وتناقله الناس بوصفه حكمة أو خلاصة تجربة وجوديّة. وانسحب هذا بوضوح على الآيات القرآنيّة والأحاديث النبويّة التي صار يستشهد بها الناس حتّى عدّوها أقوالاً مستقلّة عن نصّها الأصليّ، وتشبهها الأمثال السائرة التي حظيت بالجمع في كتب مثل؛ كتاب الأمثال لأبي عبيدة ومجمع الأمثال للميداني، وجمهرة الأمثال للعسكري.
لقد انعكس هذا الأمر على طبيعة التأليف العربيّ لدى الجاحظ في البيان والتبيين وكتاب الحيوان، وعيون الأخبار لابن قتيبة، والعقد الفريد لابن عبد ربّه الأندلسي، وأمالي القالي، والموشّى لأبي الطيب الوشاء، وبصائر التوحيدي وذخائره، ومحاضرات الأصفهاني ومحاوراته، ونثر الدر للآبي، وربيع الأبرار للزمخشري، ومحاضرات ابن عربيّ ومسامراته، والكشكول للعامليّ وغيرها من الكتب التي حفلت بنقل الحكم والأمثال، في عبارات موجزة، وخلاصات مأثورة، تلخّص التجارب، وتنبئ عن فلسفة أصحابها، وها هو الإنسان المعاصر، بوسائل التواصل الحديثة لديه، يعيد لهذا النوع الأدبيّ ألقه من جديد.