باحثو مكة: متطرفون يسعون لإفساد الحج
الاثنين، ٢٥ أغسطس ٢٠١٤سلطوا الضوء على ظواهر سلبية خلال ندوة "مكة" عن انعكاسات البحث العلمي على واقع الحج (1-3)
باحثون: يجب أن نبعد الحج عن تجاذبات المتأسلمين والمتطرفين
شدد باحثون وأكاديميون على ضرورة أن تكون فريضة الحج في منأى عن تجاذبات المتأسلمين من الفئات المذهبية والدينية المتطرفة التي ينتمي إليها أناس ظاهرهم الإسلام وباطنهم معاداة الإسلام، مؤكدين أن كل الأحداث التي شهدتها مكة المكرمة خلال مواسم الحج الماضية يقف خلفها حجاج من مذاهب متطرفة.
وخلال ندوة »مكة« التي عقدت أمس الأول تحت عنوان »انعكاسات البحث العلمي على واقع الحج«، طالب الباحثون بضرورة إبعاد الجانب السياسي عن شعيرة الحج، قائلين: »أولئك المتأسلمون يريدون أن يسحبوا بأرجلنا نحو أمر يصف الإسلام بما ليس فيه، بينما الدين الإسلامي لا يختلق الأحداث، وشعيرة الحج هي الشعيرة الكبرى، ونحن أولى بتعظيمها«.
وفي تأكيدهم على أهمية البحث العلمي يرى الباحثون أنه عامل مهم للتكامل والتوافق، ويضع الحلول الكفيلة بمعالجة أي ظاهرة سلبية من الظواهر الناشئة في الحج، ويختصر المدة الزمنية لتطبيقها على الواقع، ولا شك أنه كان عاملا حاسما في معالجة عدد من السلبيات التي نشأت خلال المواسم الماضية، حيث وضعت الدراسات والأبحاث الحلول الناجعة لتلك الظواهر.
هل أصبح البحث العلمي واقعا ملموسا لمعالجة ظواهر الحج؟وكيف أسهم في الحفاظ على الشعيرة من أي تأثيرات متطرفة؟
تسييس الحج
- لا يمكن أن يخضع الحج لرؤية سياسية، وهذا منهج الدولة منذ أن وحد الملك عبدالعزيز ـ رحمه الله ـ هذه البلاد، وهذا مثبت في كتاب الوثائق الملكية للملك عبدالعزيز الذي نادى العالم أن المملكة تفرح وتبتهج بقدوم الحجاج، وعلى جميعهم أن يأتوا آمنين على أنفسهم «فقد أمنت الطرق»، ويقول في أكثر من مناسبة إن خدمة الحجاج والمعتمرين واجب كبير علينا، حتى إنه أرسل رسائل إلى الدول الأجنبية التي كانت باستعمارها تمنع الحجاج من القدوم لأداء الفريضة، بأن تحترم حقوق الراغبين في أداء الفريضة وتسهل لهم القدوم، وهذا يدل أنه ما كان الحج في رؤية الدولة في يوم من الأيام «مسيسا»، ولكن أعداء الإسلام هم الذين يريدون «تسييس» الحج، ولا ننسى الأحداث التي وقعت في مكة المكرمة، وكلها كانت من حجاج ينتمون لمذاهب دينية متطرفة، وأحداث جهيمان، وما حدث في عموم العالم الإسلامي، وما يحدث بعد احتلال أفغانستان والعراق ومشاكل الصومال، وخلق بيئات «متمسلمة» وليست مسلمة، وهذه الفئات متمثلة في القاعدة و»داعش» وجبهة النصرة، وهم أناس ظاهرهم الإسلام وباطنهم العذاب. فلا بد أن نعرف أن أصل هذا الركن الخامس هو من شعائر الله، وأولئك يريدون أن يسحبوا بأرجلنا نحو أمر يصف الإسلام بما ليس فيه، والإسلام لا يختلق الأحداث. وسبق لي أن شاركت ببحث عن تأصيل الجانب الإسلامي والسياسي لرعاية الحجاج في المملكة، ونشر لي كثير من الكتابات للمسؤولين بهذا الخصوص بإبعاد الجانب السياسي عن شعيرة الحج، وهي الشعيرة الكبرى، ونحن أولى بتعظيمها. وهناك دراسات وأبحاث تمت ترجمتها لمشاريع في العاصمة المقدسة، كلها مبنية على أحكام فقهية وشرعية مأخوذة من الكتاب والسنة.
الدكتور عدنان وزان مدير جامعة أم القرى سابقا
خصوصية مكة وثقافة أهلها
- قضية الحج مرتبطة بعنصرين أساسيين، وهما المكان والإنسان، لذلك الهوية المتفقة في هذا المكان قام تميزها على أصلين، الأول أن هذا المكان منحاز بحدود ربانية عن سائر الأرض كلها، وضعت حدوده بوحي من الله، وهذا الانحياز لم يكن حادثا بعد سكن الإنسان في الأرض، وإنما كان قبل وجوده بنحو 50 ألف سنة، ففي اليوم الذي خلق الله فيه السماوات والأرض، كان أول ما خلق هو هذه المدينة المباركة، إذا خلقت منحازة حيث لا غيرها من الأرض. والأمر الثاني أن هوية المكان تحتم أنه لا بد أن يكون لذلك المكان نظام خاص به، ونجد أن هذا النظام قد وضع أيضا قبل وجود الإنسان، لقول رسول الله: «إن الله حرم مكة يوم خلقت السماوات والأرض»، فلذلك هي انحازت من حيث المكان، ثم ما يتعلق بشرعية الإسلام بزيادة الإيضاح بهذا الأمر، هو تلك الخصائص التي جعلها الله لهذه البقعة مما جعلها مميزة عن سائر بلاد الدنيا، وأبرزها ثماني خصائص، محورها خصيصة الهدى، ولهذا ليس في الأرض حق ثابت سوى الكعبة، ثم تأتي بعد ذلك خصيصة القبلة والمثابة، ثم تأتي 3 خصائص لبيان مقدار النجاح الذي تحقق من الناس، بما يتعلق بما هو المطلوب لمن سكن بهذا البلد، فعندما أراد الله أن يبين الأمر المرتبط بهذا الأمر، بنى الصورة الذهنية الصحيحة لكل متحرك في هذه الأرض والتي لا تخدش أبدا. أما ما يتعلق بجانب الإنسان، فهو إما ساكن وإما وافد، فالساكن وما تعارفت عليه قريش وأقره الإسلام، وأن سكان هذا البلد هم جيران الله وأهله، وهذا الإنسان الذي أعطي هذا التشريف لأجل الجوار يزداد معه التكليف، وعندما يحمل الإنسان المكي رسالة إدراكه للخصائص فسوف يكون أثر ذلك عظيما على الوافد، فإن كان يحترم البيت فلا يسع الوافد أن يفعل غير ذلك. يقول ابن رشيد الفهري في رحلته إلى مكة في القرن السادس، وهو من علماء الأندلس، «عندما جئنا إلى مكة وجدنا أهلها في استقبالنا ومعهم أطفالهم الذين كانوا يتعلقون برقاب الحجاج ليدلوهم المسالك ويعلموهم المناسك»، وهذا مجتمع صغاره أساتذة لكبار الوافدين، فهذه ثقافة المجتمع المكي التي تؤطر هنا حركة الوافد. وما يتعلق بجانب المكان وإبراز خصائصه ومكانته يكون بنية معرفية للمجتمع المكي، ثم كيف يكون بنية معرفية لمن يريد الوفود إلى مكة، وما يتعلق بمكانة الساكن يجب أن يدرك هذا الوافد هو يفد على من؟ إن هؤلاء الناس دعا لهم خليل رب العالمين بأن يفد الوفود إليهم بحب واحترام وحنان وعطف.
الدكتور طلال أبو النور المشرف العام على مشروع تعظيم البلد الحرام
الدراسات واستشراف المستقبل
- هذه العبادة تحظى بمكانة عظيمة واهتمام كبير من قبل ولاة الأمر، خاصة فيما يتعلق بتقديم أفضل الخدمات والتسهيلات لحجاج بيت الله الحرام، ومعهد خادم الحرمين الشريفين لأبحاث الحج والعمرة الذي يقدم الدراسات والأبحاث فيما يخص الحج، كان ومنذ تأسيسه مركزا علميا له عدة مهام، منها ما يتعلق بالرصد والمتابعة لجميع شؤون الحج وخدماته، والاستفادة من هذا الرصد والمعلومات للتطوير والتحسين، وتسهيل اتخاذ القرار على الجهات المسؤولة، وكذلك استشراف المستقبل ووضع الحلول الملائمة والمناسبة لكيفية هذا التطوير. كما استفاد المعهد من وجوده داخل جامعة أم القرى التي تضم كوكبة من العلماء والباحثين، وهذا حقق له عمقا علميا كبيرا. ومن الدراسات التي أجراها المعهد منذ إنشائه والتي كانت لها إسهامات كبيرة، مشروعات: الإفادة من لحوم الهدي والأضاحي، والتي أصبحت واقعا ملموسا، وتطوير منطقة الجمرات في عدة مراحل، ومشروع النقل والحركة وما يتعلق به والذي يعتبر من أهم متطلبات الحج، بالإضافة إلى النقل بمفهومه الشامل سواء كان الدولي أو الإقليمي أو المحلي أو الخاص. واستفاد المعهد مما جاء في السيرة النبوية الشريفة وما جاء في الفقه، كما أن ما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه دخل الحرم للطواف من باب وخرج من باب، وهذا مفهوم كبير لتوحيد الحركة، كما نستخدم في المعهد نصيحة الرسول للصحابة بالتروي وعدم الاستعجال، ونعمل ضمن فريق متكامل يشمل جميع التخصصات، أولها الفقهية والشرعية، كما ساهم المعهد في جميع التنظيمات التي لها علاقة بالحج ولوائحه بالتغذية والإسكان. أما بالنسبة للمخطط الشامل فقد حظي بدعم كبير من ولاة الأمر وبمتابعة كبيرة من وزير الشؤون البلدية والقروية وأمير منطقة مكة المكرمة، وكان عملا كبيرا لم تبخل المملكة في دعمه بالمبالغ الكبيرة، وشارك في وضعه استشاريون وعلماء محليون وعالميون، وأخذ من الوقت ما هو كاف لوضع تصور إلى 25 سنة، ويغطي مجالات كثيرة، كما أنجز أكثر من 21 تقريرا، وهو المخطط الذي اعتمد من مجلس الوزراء، وجرى اعتماد ميزانية له، ونحن الآن نشهد تنفيذ هذا المخطط على أرض الواقع، وكل ذلك يبين لنا أن مكة المكرمة عبارة عن ورشة عمل كبرى.
الدكتور سامي برهمين الأمين العام لهيئة تطوير مكة المكرمة والمشاعر المقدسة سابقا
ثقافة الحاج
- التوسعة التي تشهدها مكة المكرمة والتي وصلت إلى أغلب أحيائها تهدف في النهاية إلى أن يجد الحاج سعة في الطريق إلى المسجد الحرام، وهنا أقف عند نقطة مهمة، ربما تكون الثقافة الدينية قاصرة لدى الحاج الذي يأتي من أقاصي الدنيا، ولو أن هذه الثقافة، بما نقل عن الرسول صلى الله عليه وسلم من أفضلية الصلاة في المسجد الحرام عن بقية المساجد.. والمقصود بذلك ليس المسجد بعينه وإنما مكة المكرمة بحدودها الشرعية.. ولو أن هذه الثقافة وجدت ورُكز عليها في التوجيهات والدراسات ومؤسسات الطوافة، لكان الحجاج الذين سكنوا في أطراف مكة المكرمة اكتفوا بالصلاة في تلك المساجد عن تكليف أنفسهم مع زيادة العبء على الجهات الأمنية بالصلاة في المسجد الحرام، لأنه مهما وسعت المنطقة المركزية بمكة المكرمة فلن تسع لهؤلاء الحجيج للوصول إليها، لأن طبوغرافية مكة صعبة، لأنها منطقة جبلية، ولذلك ربما نجد حرجا في تغيير هذه الطبوغرافية، لأن وادي إبراهيم يشق مكة من الشمال إلى الجنوب، إضافة إلى الجبال التي تحيط بالمسجد الحرام وتشكل حصنا حصينا له، فما من مدينة من المدن الإسلامية كان لها مثل هذا التحصين الجبلي إلا مكة المكرمة، ومن التاريخ القديم لم نعرف لمكة مداخل إلا هذه الثلاثة. ثم إن مكة تواجه نقطة أخرى وهي الحدود الشرعية لها، فكل مدن الدنيا حددت من قبل البشر الذين حددوا النطاق العمراني لها إلا مكة المكرمة حددها الله بمواقعها الشرعية المتعارف عليها، لذلك المخططون والمنفذون وأصحاب القرار يقعون في إشكالية وحرج في تلبية احتياجات هؤلاء الحجاج الذين يتوافدون إلى هذه البلاد المقدسة وتزداد أعدادهم، في كيفية استطاعتهم أن يحققوا لضيوف الرحمن مثل هذه الأمور، والآن نرى هذه المباني الشاهقة التي تحيط بالحرم الشريف الذي لم أكن أتمنى أن تحيط به مثل هذه المباني كإحاطة السوار بالمعصم. كنا نتمنى أن يكون للحرم حرم، وتبتعد هذه المباني عن هذه المنطقة، حتى تؤتي مجالا من النواحي الأمنية والمرافق العامة، وهذا نوقش في مجلس الشورى، لأنه لو تحدث أي مشكلة في هذه العمائر، سيكون السؤال هو: كيف سيتم التعامل معها؟إن البحوث التي تقدم في معهد خادم الحرمين الشريفين أغلبها نفذت وترجمت إلى واقع ملموس، وساهمت في تخفيف حركة الحجاج، مثل النظام الترددي من عرفة إلى مزدلفة، ومن منى إلى المسجد الحرام، ولهذا ساهم المعهد بكثير من الدراسات. وأنا أتمنى إيجاد نقطة نهاية للمواصلات قبل المسجد الحرام بمسافة بعيدة حتى لو شكل ذلك معضلة مرورية.
الدكتور فواز الدهاس أستاذ التاريخ والآثار بجامعة أم القرى
المشاركون في الندوة:
- - الباحث الدكتور محمود كسناوي
- - الباحث الدكتور عثمان فاضل
- - أستاذ التاريخ والآثار بجامعة أم القرى الدكتور فواز الدهاس
- - مدير جامعة أم القرى سابقا الدكتور عدنان وزان
- - الأمين العام لهيئة تطوير مكة المكرمة والمشاعر المقدسة سابقا الدكتور سامي برهمين
- - المشرف العام على مشروع تعظيم البلد الحرام الدكتور طلال أبو النور
- - عميد كلية الهندسة والعمارة الإسلامية بجامعة أم القرى الدكتور حمزة غلمان
- - نائب رئيس المجلس البلدي الدكتور خالد أبو حفاش
- - عميد كلية العلوم الاقتصادية والمالية الإسلامية بجامعة أم القرى الدكتور عصام الجفري
- - الكاتب والإعلامي خالد سابق