الحرق والإسلام
الجمعة، ١٣ فبراير ٢٠١٥قامت داعش بحرق الطيار الأردني الأسير لديها معاذ الكساسبة، وهاجت الإنسانية جمعاء على بشاعة ما حدث.
وقد استغلت داعش هذه الحادثة لإرهاب وترويع العالم بأجمعه من شرور ما قد تصل إليه أمور المواجهة مع جماعة إرهابية جمعت أبشع الظلم من منابعه، وتبنته أثناء حربها على كل من تقابلهم، من المسالمين، ومن المدافعين عن أراضيهم، ومن أعدائها الذين يسعون لاجتثاثها من على الأرض.
من وجهة نظر داعش فهي تسير على صراط الحق القويم، وتعتبر كل مسلم يخالفها مرتدا عن الإسلام.
وهي تقرر في جميع أفعالها أن الإسلام هو دليلها الأوحد، وأن عملها لم يكن يوما خارج إطار الدين الحقيقي.
وكعادتنا في كل معترك ديني عقلي يظهر لهذا العمل من ينتقده من شيوخ الإسلام، ويدلل على حرمته من الناحية الدينية، فيرفض الأزهر ذلك، ويعتمد بعض الرافضين المستنكرين على حديث أبي هريرة رضي الله عنه: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية وقال: إن ظفرتم بفلان وفلان فأحرقوهما بالنار، حتى إذا كان الغد بعث إلينا، إني كنت أمرتكم بتحريق هذين الرجلين، ورأيت أنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا الله، فإن ظفرتم بهما فاقتلوهما.
رغم عدم وضوح الدلالة فيه.
وبالمقابل يخرج في بعض القنوات من يدعي أن ذلك جائز ومبرر من الناحية الإسلامية، وأنها ليست المرة الأولى التي يحدث فيها حرق للمخالف والمرتد، فقد سمل النبي صلى الله عليه وسلم أعين العرنيين بالحديد المحمي، وقد حرق أبوبكر رضي الله عنه البغاة بالنار بحضرة الصحابة، وقد فعل ذلك عمر وعلي رضي الله عنهما، وحلله معاذ بن جبل رضي الله عنه، كما أن خالد بن الوليد رضي الله عنه قد فعله في معارك المرتدين!الأمر جلل، ومريع، ولا بد من أخذه بأهمية قصوى، وبعناية من هيئات كبار العلماء ومجمعات ومراكز العالم الإسلامي، فإما أن ينفى ذلك، ويتم تضعيف ورفض الأحاديث الدالة عليه، وبمنطق وعقلانية لا تزيد الشك شكا، وإما أن يستمر الصمت، ويسود الشر، ويزداد الكلام هنا وهناك عن حلال التحريق، فيكون ذلك تأييدا لداعش، وزعزعة لربانية الإسلام بتأكيد الكلام عن وحشية التعامل مع المخالف لنا.
الفكر الداعشي لم يكن يوما بالهين، فهم يعودون بخبث لأوراق الماضي والتي لا نتمكن من تنقيتها، ويعتمدون على الروايات القديمة في جميع أعمالهم مهما بلغ الاختلاف على مدلولات أحاديثها، وهنا تكمن الخطورة، فهم بمراجعهم وفتاواهم يتعمدون انتقاء أبشع الأعمال وأقذرها، ليرسخوها في عقول البشرية جمعاء على أنها الإسلام، بداية بتفجير المخالف، والمتاجرة بالسبايا، وذبح الأسير علنا، ووصولا إلى إحراقه بالنار.
هم ينتهجون أعنف نهج عرفته الإنسانية، ويشيرون إلى أنه فعل متعارف عليه في الإسلام، ونتيجة ذلك يحدث مزيد من التشويه المتعمد للدين الإسلامي، ومزيد من وضعه على المحك، وهم بذلك يسعون لإخراجه من أطر الرحمة السماوية، والإنسانية، ونبذه كما يتم نبذ عبادة الشيطان.