التأخير في التقاضي يفقد الأحكام قيمتها
الأحد، ٢٤ أغسطس ٢٠١٤
قبل نحو اثني عشر عاما لجأتُ إلى المحكمة الكبرى بجدة لتثبيت حق مالي لدى إحدى الجهات. وللوهلة الأولى اعتقدت أن القضية من السهولة في درجات التقاضي بحيث لا أحتاج معها إلى توكيل محام ومباشرتها بنفسي، بالرغم من أن خصمي كان ممتهنا المحاماة.
وكان يقيني، ولا أعلم من أين أتاني هذا اليقين، أن التقاضي في هذه الدعوى لن يحتاج لأكثر من جلستين أو ثلاث، قبل أن ينطق القاضي بالحكم لمصلحتي.
ولكن المفارقة أن القضية أخذت ثلاثة مستويات، الأول استمر 4 أعوام قبل أن أنتزع الحكم لصالحي، والثاني عاما كاملا في التمييز بعد أن طعن الخصم في الحكم وأبطله، والثالث عامين بعد أن أعدت رفع القضية لدى قاض آخر، وصدر الحكم النهائي لمصلحتي مرة أخرى.
الشاهد أن طول فترة التقاضي أفادني كثيرا في كيفية التعامل مع مرفق القضاء والقضاة، ولو أنني تقدمت بقضيتي كأطروحة علمية لإحدى الجامعات البريطانية العريقة كأوكسفورد أو كمبردج أو بريستول، لحصلت منها على درجة الدكتوراه وبامتياز.
غير أنها في المقابل أفقدتني الإحساس بقيمة المبلغ المسلوب مني رغم ضخامته، كون الأمر تحول من رغبة في الحصول على حقي المالي، إلى تحد خاص بعدم الخسارة أمام خصمي.
تذكرت هذه القضية وتفاصيل سنواتها السبع المريرة وأنا أتابع في الأيام الماضية الأحكام الابتدائية للمحكمة الجزائية المتخصصة بإدانة أعضاء خلية الـ50، إحدى أخطر الخلايا الإرهابية التي عاثت في بلادنا فسادا خلال العشر سنوات الماضية، ومقارنة شعوري اليوم وما كان عليه الوضع في 2004 عندما أقدم أفراد هذه الخلية على إثارة الرعب في قلوب الناس بنقلهم عدة سيارات مفخخة من القصيم إلى الرياض، واستخدام إحداها في تفجير مبنى الأمن العام، وبعد ذلك بشهرين خطف الأمريكي بول جونسون، ومن ثم قتله وبث تفاصيل ذلك عبر الانترنت، وبعد ذلك بأشهر العثور على رأسه في ثلاجة منزل زعيم تنظيم القاعدة بالسعودية صالح العوفي.
هذا بخلاف تهريب الأسلحة والذخائر الحية، والافتئات على ولي الأمر والخروج عن طاعته، والشروع في جمع معلومات عن مجمعات سكنية يقطنها مستأمنون ومعاهدون بقصد تفجيرها، وأخيرا تسبب أحد المتهمين في مقتل والده ومن معه من رجال الأمن.
الأكيد أن هذا النوع من القضايا يحتاج إلى الكثير من البحث والتدقيق وصولا لهذه الأحكام التي بدأت بالسجن لمدد تتراوح بين 10 أشهر و30 عاما، مع المنع من السفر والغرامة المالية، وانتهت بالقتل تعزيرا لاثنين ممن ثبت جرمهما.
لكن المفارقة هنا، أن أحكام بعض هؤلاء المتهمين أقل من الفترات التي قضوها في التوقيف، ما يعني تعويضهم عنها.
في ظني، وقد أكون مخطئا في ذلك، أن التأخير في إصدار الأحكام طوال هذه المدة، يفقدها قيمتها الحقيقية فيما لو نفذت بعد القبض على المتهمين مباشرة، خاصة أن الجرائم الإرهابية التي ارتكبها أفراد هذه الخلية لم يكن ضررها قاصرا على أشخاص محددين بقدر ما كان موجها ضد المجتمع بأكمله.. فهل من سبيل إلى تسريع مسألة التقاضي بدلا من تأخرها كل هذه السنين، حتى لا نضطر إلى »مكافأة« من أجرم في حقنا؟