الفتى عابد
الجمعة، ١٣ فبراير ٢٠١٥
اختار القدر عابد خزندار ليكون مثقفًا إصلاحيًّا مستنيرًا، ولست أعني هنا ما انتهى إليه في مسيرته الأدبية والوطنية، وإنما أعني البشارات الأولى لذلك الشابّ المكي الذي اختلف إلى «مدرسة تحضير البعثات» في مكة المكرمة، وهي تلك المدرسة التي تؤهّل الطلاب السعوديين للدراسة الجامعية في الخارج، وبخاصة مصر.
كان الإصلاح والاستنارة سبيل ذلك الطالب الشاب، وكان القدر حفيًّا به حين ساقه إلى معلِّم اللغة العربية في تلك المدرسة الأديب والناقد عبدالله عبدالجبار، الذي استقرأ في تلميذه الولع بالقراءة والثقافة، حين كان يراه، كل يوم، يغشى مكتبة المدرسة ويتخيّر من كتبها ما ينزع إليه ذوقه، وحين آنس عبدالجبار في تلميذه عابد رغبة في الثقافة، زيَّن له قراءة كتاب له شأنه في الثقافة العربية الحديثة، أعني كتاب (زعماء الإصلاح في العصر الحديث) لأحمد أمين، وطلب إليه أن يتخير مصلحًا ممن ترجم لهم الكتاب، ويلخص سيرته، ويذيعها في حفل (ندوة المسامرات الأدبية) التي تعقد كل خميس، ويختلف إليها المعلمون والطلاب والأدباء في تلك المدرسة.
وينبئنا عابد خزندار أنه آنس في شخصية أبي الدستور العثماني مدحت باشا ما دفعه إلى العناية به وتلخيص سيرته.
أعجب الفتى عابد خزندار بمدحت باشا، وإنه ليعيد إعجابه بأبي الدستور العثماني إلى أمرين: أولهما مناداته بالإصلاح والاستنارة والأخْذ بالحريات، وآخرهما أن مدحت باشا حين ائتمر به القوم في البلاط العثماني، اعتُقِلَ وسيق إلى «قلعة الطائف»، ثم اغتيل فيها، وما من ذنب جناه إلا أنه داعية الإصلاح، فألفى عابد خزندار في قتيل قلعة الطائف، حيث أمضى فتانا ردحًا من صباه، ما جعله قريبًا إلى نفسه قرْبه إلى عقله.
ربما كانت تلك اللحظة التي تغور في التاريخ، والتي قُدِّر لعابد خزندار أن يمرّ بها، عتبته إلى الثقافة الإصلاحية، وسبيله إلى إيمانه الحار الذي لم يتزحزح بالاستنارة والإصلاح والحرية، فكان في كل أطوار حياته معبِّرا عن ذلك المنزع الفكري الذي استكان إليه، وآمن به في «قلعة جبل هندي»، حيث أتمَّ دراسته الثانوية في مدرستها العظيمة «مدرسة تحضير البعثات» بمكة المكرمة.