الطائرة من القاهرة إلى الطائف
السبت، ٢٣ أغسطس ٢٠١٤
عروض مغرية (توجب) السفر.. خارجا! يتخيل البعض بأن مسألة السفر(خارج البلاد) مسألة هامشية، وربما اعتبروها من (كماليات) الحياة، التي تضفي عليها (أبهة) و(ترفا)! كما أن البعض يعتبر أن السفر إلى بلاد (الفرنجة) عبثا، يجلب معه المعاصي والشرور (في كل الأحوال). وثمة آخرون يختزلون شد المطايا، لأماكن داخل الديار، بزعم أن (السفر الداخلي) يتوافر على أهم مقومات السياحة، والتي هي جمال الطبيعة في الاتجاه الجنوبي من بلادنا (تحديدا)، أو سحر الصحاري بأجوائها المنفردة في مفازات كثيرة من أراضينا الفسيحة!
ولكني أزعم أن مسألة السفر إلى (خارج الحدود) صوب رحاب الكون الفسيح، هي مسألة حاسمة وضرورية، بل ويجب أن يفعلها الإنسان مرة على الأقل كل عامين.. (صحيح) أن الجانب المادي يتحكم في ممارسة هذه الضرورة، ولكن..كما أن الإنسان يخطط لمصروف معيشته وسكنه وأعبائه العملية، فحري به-كذلك-أن يضع السفر(الخارجي)- قريبا أوبعيدا- ضمن تلك الاهتمامات الرئيسة في حياته!
تتجلى أهمية تجاوز البيئة المحلية إلى الآفاق الخارجية الرحبة من عدة جوانب، لعل أبرزها:
1/تخيل لو أن إنسانا قرر ألا يغادر بيته، مكتفيا بما يتوافر له من إمكانات رتيبة للعيش.. ربما- عندها- تكون حياته البيولوجية صحيحة (رغم حاجة الإنسان المادية للحركة والانطلاق)!، ولكن ما يتعلق بالعالم النفسي والحاجة المعرفية، فسوف يشوبهما -حتما- الكثير من العجز والتوتر والارتهان للعلل النفسية والعقلية المتعددة، من اكتئاب وقلق وبلادة وفقدان للثقة والإرادة.!
2/البقاء في المكان الواحد هو الاستسلام لرتابة النمط الساكن من التفكير، الذي من شأنه أن يجعل رؤية الإنسان للكون والحياة رؤية في غاية السذاجة والاختزال باعتبارها نتاج ثقافة (المكان الواحد)، التي تفضي معطياته الوجدانية والمعرفية المألوفة، إلى إخماد جذوة الذهن المتقد في الإنسان، بحيث يستحيل وجودا، لا يستجيب لقدر هذه الحياة في التحولات واحتضان شعوب وقبائل الأرض، لإقامة كرنفال باذخ، تمتزج فيه أمداء الكون بنداءات الإنسان في كل مكان، ومن الطبيعي- في اللحظة ذاتها- أن تقل رغبة صاحب المكان (الأوحد) في أية ممارسات إبداعية، أو تتلاشى تلك الرغبة- تماما- في اكتشاف ما يحيط به من موجودات وأسرار الكون الرحيب!
3/عندما تطأ قدما الإنسان مكانا جديدا مغايرا على ثقافة بيئته المحلية، فإنه يشعر بدهشة تسمو به فوق حاجاته المادية الضيقة إلى فضاءات، تحفزه على إطلاق كل طاقاته المكبوتة، للتحليق المبهج في مدارات الفرح، (تواصلا) مع نداءات الأرض.. المختلفة.. الجديدة..!
إنسان (بيئته الواحدة) يفتقر حتما لكل تلك المشاعر الوجودية المتماهية مع الدنيا بوله وشغف.
4/يمكن أن يجد الإنسان لدينا حاجته في الانعتاق من أسر مكانه، لجماليات يترقبها في تلك الطبيعة الجميلة والصحراء الفسيحة (التي تحتوي عليها بلادنا)، ولكن تظل حاجة الإنسان لجماليات أخرى في مشهدنا المحلي غائبة مفقودة، داخل ذلك الفضاء الأخضر أو الأصفر المترامي بصلف.. الإنسان الحقيقي في حاجة لأن يلج بحواسه المتعطشة (متاحف) تنطق بحضارة الإنسان.. (مساكن) عاشها آخرون لقرون أو أنصاف القرون.. (قصور ومعابد وساحات) يتجلى في معمارها فن إنسان النهضة، ووعيه الثقافي الجمالي بالعلاقة الحميمية بينه وبين مكانه عبر الزمن.. (دروب وأزقة ونوافذ مشرعة للحنين) تنطق بهوية جديدة لإنسان آخر من الدهشة والرعشة والسحر المبين!
(معارض ودور) يمارس الإنسان على جدرانها ومسارحها حاجاته الإنسانية للارتواء من الجمال والفن.. (مجالس ومقاهي) يتسلل من عبقها الأثير همسات عاشقين، أو قهقهات شيخين، يحكيان لبعضهما وجع السنين..
حقا.. المسألة أكبر (بكثييير) من الجلوس في واحة خضراء، أو التحلق حول نار هادئة في ظلمة ليل صحراوي داج!!.. هي أكبر وأجمل وأهم (بكثير)!.. وبعد، فقد كسب مديدا، من ضرب عميقا في فجاج الأرض.. وأما من استكان (لسلطة) مكانه، فلينفض عنه غبار السنين في زوايا بيته وقريته ومدينته، ليقرأ في جسده حاجة روحه للانعتاق والتحرر والمغامرة والاكتشاف، ولأغنية سالت من الجدران العتيقة، وحاجة العقل لمعانقة ثقافة جديدة وبشر مختلفين و(نص) اندلق من أقاصي الحنين!