من جهل العقوبة أساء الأدب

ما إن انتهت مباراة الهلال والسد ضمن مباريات دوري أبطال آسيا، حتى تلقيت تغريدة تويترية من شقيقي الأصغر، طالب الدراسات العليا في جامعة سان دييغو بأمريكا، يسألني فيها عن موقفي من قضية ضرب رجل أمن لمشجع مراهق اقتحم أرض الملعب.
للوهلة الأولى قلت له «يستاهل».
فسألني هل شاهدت المقطع على يوتيوب؟
قلت: لا.
قال: إذن كيف حكمت بأن الشاب يستحق الضرب؟
قلت: لأنه ارتكب مخالفة الدخول إلى أرض الملعب.
قال: سأرسل لك المشهد من زاويتين مختلفتين، شاهد فيها تصرف الشاب، ورد رجل الأمن، وموقف الجماهير من الحادث.
بعد مشاهدتي للمقطع حدث تغيير بسيط في موقفي، ولكن ما زلت مصرا على أن الشاب هو المخطئ، ولولا خطؤه لما تعرض للضرب، وأبلغت أخي بذلك. واستشهدت على ذلك بمثل بسيط. فقلت له: لو أن شخصا صدمك من الجنب، فمن المخطئ؟
قال: هو.
قلت: ولو أنك تجاوزت الإشارة وهي حمراء وصدمك نفس الشخص من الجنب.. فمن المخطئ؟
قال: أنا.
قلت: هذا ما حصل. أخطأ الشاب بنزوله أرض الملعب.. فاستحق العقاب.
قال: انتظر سأرسل لك مقطعا آخر. وبالفعل أرسل لي دخول مشجع لأرض الملعب في أحد البطولات الأوروبية، وبمجرد أن ألقي القبض عليه من رجال الأمن، انهالوا عليه ركلا ورفسا. فما كان من مئات الجماهير الحاضرة للمباراة، إلا أن نزلوا لأرض الملعب واقتصوا للشاب من رجال الأمن المعتدين.
عاد أخي وقال لي: هل تتمنى مشاهدة هذا المنظر في ملاعبنا؟
قلت: بالتأكيد لا.
قال إذن المخالفة التي ارتكبها الشاب تستحق العقوبة، ولكن إقرارها وتنفيذها من صلاحيات جهات محددة، ليس من ضمنها رجل الأمن.. وبيده.
بعد هذه المحادثة بحثت في جوجل تحت عبارة «رجل أمن يضرب مواطنا»، فانهالت عليّ عشرات المقاطع المصورة التي توثق حالات تجاوز فيها رجال أمن على مواطنين.
لوهلة شعرت بتعاطف كبير مع رجال الأمن، كونهم مطالبين دوما بأن يكونوا في وجه الأحداث، والتعامل معها بشكل مباشر، وفي أوقات كثيرة بمفردهم دون توجيه، مع عدم إغفال حالة اللامبالاة والاستخفاف بالقوانين التي تصيب الكثير من الشباب دون مبرر.
لكن بعد تأمل المشهد بهدوء، ومحاولة إسقاط الواقعة على ابني المراهق وهو يضرب ويركل من قبل رجل أمن لارتكابه مخالفة قانونية، أدركت أن السماح للجهات الضبطية بتنفيذ القانون بيدها دون استنادها إلى حكم واجب النفاذ، كأنما هو دعوة للفوضى، والقبول باقتصاص أي شخص لنفسه ضد من أجرم بحقه، حتى ولو كان هذا الشخص هو رجل أمن بالأساس.
الأكيد أن وزير الداخلية لديه من القضايا والملفات الشائكة ماهو أكثر أهمية من مسألة اعتداء رجل أمن على مشجع في أرض الملعب، أو ضرب آخر في الجوازات للمراجعين بـ»القايش»، أو «تصفيق» ثالث لمواطن لأنه تجاوز السرعة، ولكن همته كوزير لهذا الجهاز الهام أن يتعامل مع صغائر الأمور بنفس القدر الذي يوليه كبائرها.
لذلك فإن الحل، لا يكون إلا بمعرفة الناس حقوقهم وواجباتهم القانونية، وهذا لا يتأتى إلا بنص مكتوب يدّرس ضمن مواد التربية الوطنية ويكون بين يد الناس، يحدد فيه المخالفات وعقوباتها، وبالتالي فإن من يرتكب مخالفة يعلم مسبقا الجزاء الذي يستحقه.. فهل سنشاهد ذلك قريبا، أم سنظل ندور في حلقة «من جهل العقوبة أساء الأدب»؟   

 

alnowaisir.m@makkahnp.com

alnowaisir@