جهاز رقابي مركزي للقضاء على الفساد

الحديث عن الفساد لا ينتهي، ويأخذ سيناريوهات عدة تختلف في الحبكة الدرامية والأدوار، لكنها تتفق في المضمون والنهايات، أن الفساد أصبح أكثر شيوعاً، وأن ما يقارب 68 % من السعوديين يرون وفقا لدراسة نشرتها الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد «نزاهة»، أن الفساد المالي والإداري أصبح ظاهرة.
ولا عجب في ذلك، فترتيب المملكة في مؤشر مدركات الفساد التي تصدرها منظمة الشفافية الدولية لآخر ثلاثة أعوام لا يزال يتراوح بين 57 و66 على مستوى 177 دولة، حيث كانت في المرتبة 57 في عام 2011، قبل أن تتراجع 9 مراتب عام 2012 إلى 66 عالمياً، لتعود إلى المرتبة 63 عالمياً في 2013 .
وذلك يشير إلى أن مشكلة الفساد تتفاقم وتنمو بصورة لا يمكن إنكارها، رغم أن الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد بررت هذا الترتيب بنقص كثير من المعلومات التي تستقيها مصادر منظمة الشفافية الدولية، وهي عادة جرى العرف عليها في التعاطي مع التقارير التي تنتقد وضعا معينا، رغم أنها لا تجدي نفعاً ما لم تقدم الجهات الرقابية مسوغات إجرائية ومنطقية مدعومة بالوثائق والمستندات التي تدحض هذه التقارير، وأنها غير راضية عن ترتيب المملكة في مؤشر مدركات الفساد، فإنها تسعى للعمل على معالجة ذلك بالتعاون مع الجهات المعنية لتحسين ترتيب المملكة في المستقبل.
وناشدت «نزاهة» الجهات الحكومية المعنية بالتعاون معها، وتوفير المعلومات المطلوبة ونشرها وتزويد المنظمات المختصة بها، وتزويد الهيئة بتقارير وافية عنها كي تستحضرها في لقاءاتها الدولية واتصالاتها مع الجهات والمنظمات المختصة.
ولأن الحديث عن الفساد وانتشاره يرتبط بواقع وفاعلية الأجهزة الرقابية، فلا يمكن الحديث عن الفساد بشتى أنواعه، وصوره دون التعرض جهود لأداء الأجهزة الرقابية في مكافحته والقضاء عليه، لكن المؤشرات النظرية والعملية تبرهن أن أداء هذه الأجهزة لا يزال دون المستوى المأمول، ويعتريه الضعف والقصور، ويتطلب إعادة هيكلتها، ويمكن تلخيص ضعف أداء الأجهزة الرقابية الحكومية في نقاط عدة منها:أولاً: تعدد الأجهزة الرقابية (الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، هيئة الرقابة والتحقيق، ديوان المراقبة العامة)، أدى إلى تشتت الرقابة بين أكثر من جهة حكومية، تتشابه أدوراها، وتتداخل أهدافها وأساليبها، فهيئة الرقابة والتحقيق تتولى الكشف عن المخالفات المالية والإدارية والتحقيق فيها، (قبل قرار مجلس الوزراء المبني على دراسة لجنة الإصلاح الإداري) بنقل قسم الرقابة المالية إلى ديوان المراقبة العامة، والتحقيق الجنائي في جريمة الموظف العام إلى هيئة التحقيق والادعاء العام، و»ديوان المراقبة العامة» يتولى التحقيق في المخالفات المالية والتأكد من أن أموال الدولة كافة تستعمل في الأغراض التي خُصّصت لها، في حين أن «الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد» تتولى الكشف حالات الفساد المتعدد في الأجهزة الحكومية الجهاز من خلال عقود المناقصات وتنفيذ المشروعات، والتطاول على المال العام.
ثانياً: قوة نفوذ من يمارسون الفساد، والأيدي الخفية التي تحركهم، فبعض من يمارسون الفساد لديهم من النفوذ والقوة والاستثناء ما يفوق صلاحيات ونفوذ الجهات الرقابية، وعندما تكون قوة الأجهزة الرقابية أضعف ممن تراقبهم من الذين يستخدمون مسمياتهم وانتماءاتهم لا يمكن للرقابة أن تحقق أهدافها.
ثالثاً: تشتيت الجهات الرقابية جهودها في قضايا صغيرة وثانوية على حساب الرقابة والتحقق من القضايا والمشروعات الكبرى التي توغل الفساد في مفاصلها وأثر على التنمية والنمو الاقتصادي، نتيجة انحراف أداء بعض الجهات الرقابية ( نزاهة مثالاً) عن الأهداف التي أنشئت من أجلها.
وبقاء الأجهزة الرقابية مبعثرة في صورتها الحالية سيؤدي إلى مزيد من الضعف في أدائها وفاعليتها، فالحل يكمن في إنشاء جهاز رقابي مركزي موحد تنضم تحته هذه الأجهزة، ويتولى تنظيم أعمالها، ويسهم في توحيد جهودها وإجراءاتها، إلى جانب منحه كافة الصلاحيات والنفوذ والقوة التي تمكنه من أداء عمله، وأن تكون سلطته فوق سلطة الأشخاص بعض النظر عما يكون هذا الشخص أو منصبه ومكانته، وفتح أبواب جميع الوزارات والهيئات والمؤسسات العامة دون استثناء أمام الرقابة هو الحل الوحيد الذي يمكن من خلاله مكافحة الفساد والقضاء عليه.