غربة شاعر
الخميس، ١٢ فبراير ٢٠١٥دفع الفقر الشديد الشاب المتزوج حديثا لأن يترك زوجته في بغداد ويتوجه نحو الأندلس في رحلة شاقة لينثر أبيات شعره في بلاط أمرائها، لكنه بعد أن سكب دموعه في صحراء أفريقيا وآهاته في البحر المتوسط، لم يجد في استقباله سوى سوء الحظ الذي مد له لسانه حيثما ذهب.
وعوضا عن رجوعه إلى زوجته محملا بالمال والهدايا، غادر ابن زريق البغدادي هذه الدنيا وحيدا في غرفة خان (فندق) في قرطبة، لقطة الختام هذه زاد سوداويتها وجود رقعة تحت وسادته كتبت فيها قصيدة يعتذر فيها لابنة عمه ويشكو لها سوء حاله، فاستهل قصيدة الغربة والفراق الأشهر في الشعر العربي بأن يطلب منها أن تكف عن لومه:لا تعذليه فــإن الـعـذل يولـعُـهُقد قلت حقا ولكن ليس يسمعـهاللوم إذن لا يزيده إلا أسى وحرقة، وما يلاقيه في غربته منهما يكفيه، فأيامه تتفنن في بث الرعب في جنبات قلبه المسكين .
.
يكفيه من لوعة التشتيت أن لــهمـن النـوى كل يـوم مـا يـروّعـههو أيضا لا يستقر في بقعة من أرض الله الواسعة إلا ليتجهز للرحيل لأخرى، يصف ذلك في بيت شعري بسيط خال من أي تعقيد، لكن القارئ يكاد يحس بتعب الترحال.
كأنما هـو فـي حــل ومرتـحـلمـوكّـل بـفـضـاء الله يـذرعــههل تعلم من أين يطلع القمر؟ من هناك من بين أزرار قميص ابنة عمه في الكرخ غرب دجلة أستودع الله في بغداد لي قـمـرابالكرخ من فلـك الأزرار مطلـعـهثم يعود بذاكرته إلى بغداد، ويتمنى لو أنه ودع الحياة ولم يودع محبوبته، لكن المأساة تعود مرة أخرى بوجه أكثر عبوسا، فيودعها ويودع حياته غما.
ودعـتـه وبــودي لــو يودعـنـيصفـو الحـياة وأنـي لا أودعــه الغريب أن هذا المبدع شعرا وألما ليس له إلا هذه القصيدة، ولذلك أطلق عليها البعض لقب اليتيمة، ورغم أن المقصود بها القصيدة، إلا أن الشاعر أيضا كان يتيما في غربته.
.
وفي رحلته.
.
وفي وفاته.