العبادي أمام تركة ثقيلة

أخيرا سقط الرجل الذي بنى استراتيجيته الأساسية على إثارة الأزمات منذ أول يوم من اعتلائه للحكم، لم يكن يملك الموهبة الإدارية والسياسية الكافية لحل القضايا العراقية المهمة والصعبة جدا، بعضها تاريخية وشائكة مثل القضية الكردية ومعالجة آثار عمليات التعريب والتهجير والتبعيث التي قامت بها الحكومات العراقية المتعاقبة ضد الأكراد في مدينة كركوك والأراضي الكردية التي احتلتها بالقوة الغاشمة والتي عالجتها المادة 140 الدستورية، وكذلك مسألة الفدرالية وإقامة الأقاليم والعلاقة السياسية والاجتماعية بين المكونات الثلاث الرئيسة في البلاد السنة والشيعة والأكراد وتوزيع السلطات والمناصب بينهم بما يحافظ على وحدة البلاد ويساعد على سير العملية السياسية قدما، وافتقاده للآليات القانونية التي تنظمها، وأهم من هذا كله أن»المالكي» لم تكن لديه الرغبة أصلا أو الشجاعة بالأحرى في تناول تلك القضايا الجوهرية فضلا عن معالجتها، لذلك لجأ إلى افتعال الأزمات تلو الأزمات للتغطية على فشله الإداري والسياسي المتواصل، فشل أو لم يكن لديه الرغبة في تطبيق المادة 140 مع الأكراد لذلك افتعل الأزمات معهم ودخل في صراع جانبي مستمر حتى وصل إلى فرض حصار عليهم وسد كل أبواب التطبيع والتقريب بوجههم، لأنه لو لم يقم بإثارة الأزمة وقطع العلاقة معهم وإثارة المشاكل معهم، لوجب عليه أن يصل إلى حل معهم بشأن تلك المناطق التي تعرضت إلى التغيير الديموجرافي وفي النتيجة تعود تلك المناطق المستقطعة إلى إقليم كردستان عبر استفتاء شعبي مع إعطاء تعويض مالي مناسب للمتضررين، وهذا ما لم يكن يريده «المالكي» أن يحدث.. وكذلك الأمر بالنسبة للسنة، لو أنه لم يخض معهم صراعا طائفيا طويلا ومريرا منذ البداية ولم يجرهم إلى أتون أزماته وقطع كل سبل السلام معهم، لكان لزاما عليه أن يستجيب لمطالبهم ومن أهم هذه المطالب تقسيم السلطة معهم وإقامة إقليم خاص بهم، وهذا ما كان يرفضه «المالكي» ولا يسمح به أبدا، فالرجل يخطط ويسعى لإقامة حكم فردي شبيه بحكم الدكتاتور السابق «صدام حسين»، فلا مجال لمشاركة السنة والأكراد في السلطة مشاركة فعلية..
وظل رئيس الوزراء المخلوع ينظر إلى «صدام» بعين الإعجاب لقدرته على إخضاع العراقيين لحكمه الشمولي، رغم معارضته الشديدة له وللبعثيين في الظاهر على الأقل، واستخدامه لسلاح البعث ضد خصومه السياسيين، ولكنه مع ذلك عين الكثير منهم في مناصب رفيعة، كقادة الفرق والألوية ومستشارين وخبراء، وملأ بهم مكتبه الخاص، وقد ذكر أحد القياديين في التيار الصدري أن: مكتب المالكي أصبح مقرا لقيادات الفرق البعثية!. وحتى وهو يودع السلطة لصالح «حيدر العبادي» يوجه خطابه الأخير للعراقيين منكسرا ضعيفا لا حول له ولا قوة، وعاجزا عن مواجهة طوفان المعارضة الداخلية والخارجية، فإنه استعمل كلمات مشابهة حد التطابق لكلمات الدكتاتور السابق، ويظهر نفسه قويا وهو خائر القوى ضعيف، في صوته حشرجة كأنما يساق إلى الموت وكان قبل قليل يوعد ويرعد ويهدد من يعارضه ويريد الإطاحة به بفتح أبواب جهنم عليه وعلى العراقيين جميعا.. بدأ خطابه بنفس ما كان يبتدئه خلفه «صدام» «أيها الشعب العراقي العزيز!»..»سأبقى على العهد مع الله ومعكم في الدفاع عن هذا البلد وشعبه ومقدساته».. و»سأحتفظ بالأمانة ولن أترك واجبي ومسؤوليتي تجاه شعبي و...و كلام فارغ من هذا النوع الذي شبع العراقيون منه.
ثم يأتي بعد ذلك ليذكر العراقيين بعصره الذهبي والأعمال الجليلة التي قدمها للبلد ومبادراته الزراعية والتعليمية والوطنية التي (ساهمت بتحقيق قفزة نوعية في هذه المجالات الحيوية!) ناهيك عن بطولاته العسكرية وانتصاراته ضد الإرهاب والإرهابيين وتنظيم «داعش» وثباته الأسطوري أمامهم، في كذب مفضوح وتزييف واضح للحقيقة والواقع، وتحقير لعقل المتلقي، وتصغير لشأنه، وفق سياسة صدامية مضللة، وذلك بتحويل الهزيمة إلى الانتصار والدمار إلى الإعمار والاضطراب إلى الاستقرار، والفشل إلى النجاح.. والنتيجة أن البلد في ظل البطل المزيف أصبح من أسوأ بلدان العالم وأوسخها وأفشلها وأخطرها على حياة الإنسان وحريته..
وقد أدرك العراقيون والعالم أجمع أن نظام المالكي كان فاشلا من كل الجوانب، لذلك وقفوا ضده وغيروه، وهذه الحقيقة يجب أن يفهمها رئيس الوزراء الجديد «حيدر العبادي» جيدا، ولا يحاول أن يقلده أو يستنسخه أبدا، وخاصة في إدارة الدولة، ثمة أمور جوهرية يجب أن تحوز اهتمامه أكثر من التفكير بإلغاء الألقاب العثمانية مثل؛ «فخامة» و»معالي» و»دولة» و»سيادة» وغيرها أو التوجه نحو ترشيق الوزارات وتقليصها.. القضية أكبر من ذلك بكثير، عليه أولا وقبل أي شيء أن يطمئن السنة والكرد بأن العراق لهم مثل ما للشيعة وأنهم شركاء فعليون في الدولة.. ومن ثم البدء بتطبيق الدستور دون انتقائية.