الباحث حسن مدن : الادب العربي يخسر كثيرا بسبب احجام الكتابة عن السيرة الذاتية

أكد الدكتور الأديب البحريني حسن مدن، أن عزوف كثير من الكتاب والأدباء عن كتابة سيرهم الذاتية، يعد خسارة للأدب العربي، معتبراً أنها جنس أدبي قائم بذاته، وأشكالها الأدبية الراقية لا تقف عند حدود التوثيق المباشر، بل ترتقي في بعض حالاتها إلى مقام التخيل الذي يستمد عناصره من سيرة معاشة، أو تجربة منجزة، حافلة مليئة بالدروس.
وأوضح الدكتور حسن، الذي كان يتحدث في نادي الشباب بالعاصمة المنامة مساء أمس الأول، لحظة تدشين كتاب "عيسى سيرة ابتسامة لا تنطفئ" لـ"شيماء الوطني"، أن السيرة الذاتية يمكن أن تكون على شكل مذكرات أو على سيرة مباشرة أو رواية السيرة، ويمكن لها أن تنحصر في جانب واحد أو تفصيل بعينه، مثل كتابات السجن، أو أدب الرحلات، معتبراً أن الحديث أصبح يتامى عنها بعد طول تجاهل، بل ونكران، لأن ذلك له علاقة بظهور عدد من الكتب، التي كانت السيرة الذاتية موضوعاً لها، ولكن مع ملاحظة أن هذا النوع من السيرة ما زال مشوبا بالكثير من الحذر والحيطة والريبة، لأن ثمة مناطق ما زال كتاب السيرة يعدونها مناطق محظورة الاقتراب.
وبين الدكتور حسن أن هناك عدد من الكتاب أشاروا إلى أن الأدبي العربي يخسر كثيراً من ثرائه وعمق وسعة تفاصيله، بسبب إحجام الكتاب عن الكتابة الشفافة الصادقة عن جوانب حياتهم غير المعروفة من القراء، خاصة تلك المناطق التي تتطلب جرأة في البوح والاعتراف بالتفاصيل الحميمة، التي لفت فترات أو مراحل من حياتهم، مما كان سيقدم مفاتيح مهمة، لولوج عوالمهم الإبداعية والاقتراب من الزوايا غير المضاءة في حياتهم، خاصة حين يتداعى الكاتب في الحكي المكتوب على شكل اعترافات تدخل في أحيان كثيرة مناطق غير مأهولة، ومسكوتاً عنها.
وشدد الدكتور حسن على أن السيرة تتيح لنا فحص العلاقة بين الواقع التاريخي والنص الأدبي، وعبر قراءة وتحليل السير بوسعنا تأمل تناول الكاتب للزمن والمكان، والولوج أكثر في العوالم الداخلية لهذا الكاتب أو المبدع عامة.
وعد الدكتور الراوية ملجأً و وسيلة للبوح ولتسليط الضوء على فصول أو جوانب من حياة الكاتب أو الأديب، من دون أن يضطر إلى تسمية الأشياء بأسمائها، متكئا على أن الأدب هو في الأصل مخيلة، فلعل ذلك يعفيه من احراجات كثيرة، ولم يقتصر الأمر على كتاب القصة والرواية وحدهم، الذين غالبا ما تداخلت بعض أعمالهم الروائية بحياتهم الشخصية، مما اضطر أحد النقاد ذات مرة للتأكيد على أن من بين علامات نضوج الرواية العربية في السنوات الأخيرة، هو كف الكتاب عن رواية سيرهم الذاتية في أعمالهم، وانصرفوا إلى طرق موضوعات تتطلب مخيلة واسعة، ودراسة وتقص في التاريخ والحاضر، بالصورة التي تعكس مقدار التحولات في العالم العربي في العقود الأخيرة.
وقال الدكتور حسن إن من أجمل ما كتب في السيرة الذاتية التي تتقاطع مع التأريخ للشأن العام هو كتاب مريد البرغوثي في "رأيت رام الله"، وهو العمل الذي يصعب أن يصنف في خانة بعينها، حتى لو كانت خانة السيرة الذاتية ذاتها، نحن هنا إزاء الشعر وإزاء السرد الروائي والاعترافات والتداعيات والتأملات والأفكار، وكذلك كتاب "أرق الصحراء" للشاعر العماني سيف الرحبي، ورغم أنه جاء على شكل يوميات تسجل لحظات من حياة الشاعر، لكنها هي الأخرى بما تتضمنه من ذكريات واستعادات لوجوه وأحداث وأمكنة تشكل أجزاء من السيرة الذاتية للشاعر، وهنا يتصل بعمل إبداعي يقف على تخوم الأجناس الأدبية المختلفة، ويتقاطع مع التاريخ ومع الفكر والسياسة، ليشكل تلك الحصيلة الوجدانية المفعمة بالحنين والحنان، معتبراً أنه في كتابة السيرة يتم التفريق بين نوعين منها، السيرة الذاتية والسيرة الغيرية، وفي هذه الأخيرة يتطوع الراوي لرواية حياة إبداعية في مجال حيوي ومعرفي معين لشخصية تربطه به رابطة، أو يعتقد بأهمية دوره وفرادة تجربته الحياتية.