ارحموا عمال النظافة من الصور!

صورة المرأة وابنتها وهما يقبِّلان رأس أحد عمال النظافة من أواخر ما تناقلته الصحف ووسائل التواصل في هذا الموضوع. العامل بدا هارباً ومنكمشاً من «سطوة» القبلة الحنون! طلاب إحدى الثانويات في الرياض انتشروا في نشاط غير صفي، لاصطياد عمال النظافة: الطالب يعطي العامل علبة عصير وزميله يلتقط الصورة التي تجتمع عليها ابتسامتهما! طلاب مرحلة ابتدائية وقفوا صفاً أمام صف عمال النظافة وقد أعطوا العمال حقائب تحمل بعض المأكولات ثم انتظروا الصورة وهم يبتسمون! صور عديدة رأيتها لشباب يصافحون عمالاً ويتشاركون معهم ابتسامة في الصورة،
لا أدري ما سرها؟!
التقاط الصور الشخصية مع عمال النظافة ثم عرضها على شبكات التواصل الاجتماعي، هو عمل -للوهلة الأولى- ناطق بالتعاطف مع بؤسهم وشقائهم. فهم يعملون تحت أشعة الشمس اللاهبة أو في عراء البرد القارس، ويبذلون جهداً جسدياً في الكنس والجرف والجمع والسحب والحمل للنفايات التي قد ترى أحد العابرين يرمي علبة أو ورقة منها في أي مكان من دون أن يعنِّي نفسه قليلاً ليضعها في الوعاء المخصَّص! وإلى ذلك فإن ما جعل هذه الفئة من العمال أكثر تخصيصاً لإعلان التعاطف معهم هو ضآلة الرواتب التي تدفعها لهم الشركات التي ينتسبون إليها، وتأخيرها أحياناً...
وهذا كله حق، فعمال النظافة في مجتمعنا السعودي من أكثر فئات العمال شقاء وأقلهم كسباً، وبنسبة تعاكس شدة الحاجة إليهم في بيئة استهلاكية مسرفة تنتج كثيرا من المخلفات ولا يغلب عليها الكسل في جمعها والتخلص منها فحسب، بل يشيع فيها –إلى ذلك- بعض الأنفة والترفع عن فعل ذلك. التعاطف -إذن- مع عمال النظافة شعور إنساني كريم، وشعور واقعي واع.
هكذا تصبح الصور مع عمال النظافة –عند من يصنعها- إعلاناً عن شعور التعاطف معهم والإحساس بمعاناتهم وإكبار دورهم الذي لو قصَّروا فيه لفاحت شوارعنا بزنخ الأطعمة ولحاصرتنا الروائح والأمراض والحشرات والأوساخ. وليس الإعلان عن التعاطف بلاغاً عنه وإعلاماً به؛ إنه إعلان للتعاطف من أجل استجاشة تعاطف معه، وخلق وعي بالفكرة التي يعبِّر عنها، فلا يقتصر على حدث في زمان ومكان محدَّدَين، بل يجاوزه إلى مدى أوسع. ومجاوزته هذه تتضمن التعاطف وتتضمن الاحتجاج ضد الشركات المسؤولة عن العمال والإدارات التي تتعلق بها حقوقهم. لكن النتيجة ضد ذلك تماماً فالحدث تصاعد ولقي حالات عديدة من التجاوب والتكرار... حتى غدا أشبه بـ»الهياط» الذي أفرغه من أي صدقية. وبدلاً من أن يؤدي إلى الوفاء بحقوق العمال كان مجرد عامل تعتيم عليها وحفلة فلاشات لضياعها.
يمكن أن نقول بثقة، إن غرض الصورة يعود إلى من يطلب التقاطها لا إلى العامل المسكين. الصورة هكذا عدوان على إنسانية العامل وكرامته ومشاعره! وهذا العدوان يأخذ منطق التجارة المتوحشة نفسها التي يذهب العامل ضحية لها... فالمصور يبيع صورته بمعنى هو أبعد الناس عنه على حساب العامل البريء! وإذا كانت الصورة تستهين بكرامته وإنسانيته فكيف ينجم عنها وفاء بحقوقه أو دلالة على التعاطف معه؟!