ساعة خنوع

وقفت أمامه تنظر إليه بدون الخوف الذي كانت تجده داخلها كل مرة كانت تقف أمامه أو تنظر إليه، أحست هذه المرة بأنها تنظف عقلها من رواسبه التي كبلتها طوال سنوات كانت تعرف فيها أنها يجب أن تصبر وتكون أكثر مرونة أمام أنانيته وعجرفته وخيانته وسوء تصرفه، ولكنها وقفت اليوم وقد أفقدها جزءا من روحها لا تستقيم حياتها بدونه.. كرامتها.
أمعن في استغبائها والاستهتار بآدميتها، وتوقع أن تكمل صمتها الذي بدأته وتتقبل مزيدا من التناقض في تصرفاته ومبادئه، لم تعد تريد أن تستمر في خوفها من أن تفقده..أن تستيقظ يوما ولا تجده في حياتها، لم تعد تريد أن تكون لعبته الجميلة المدللة، فهي ليست لعبة! وجمالها لم يعد يعني شيئا طالما كلما نظر إلى امرأة أجمل أو أصغر سنا لفتت نظره وتمناها بين يديه، لم تعد تريد أن يستمر هذا التفاخر بالمبادئ الرنانة أمام الآخرين وبينها وبينه هذا المزيج الغريب الكريه من التناقض والذي تعتبره ضعفا بدون داع.
وقفت أمامه ونظرت إلى عينيه وابتسمت داخلها هي دون أن يراها.. ابتسمت لأنها للمرة الأولى تقوى على الوقوف أمامه دون ضعف أو خنوع، لأنها لأول مرة تقول له أنت متناقض أرفض قبول تناقضك وأرفض استجداء اهتمامك واحترامك لآدميتي وكياني، لأنها لأول مرة تستطيع أن تعتبر سنواتها الطويلة معه مجرد ساعة خنوع لن تعود.
ولأول مرة تقف أمام رئيستها في العمل وتنظر إليها بدون تردد أو حساب لما قد تظنه أو تسيء فهمه وبدون أن تخشى أن تقول لها إن ما تفعله لا يمت لأخلاقيات العمل بصلة، وإن قبول الواسطات وإدخال الأهواء الشخصية والمزاج في العمل ليس سليما، وإن نسبة ما يعمله سواها إلى نفسها والتباهي بجهود غيرها ليس شرفا، وإن الشرف هو أن تعترف بأنك لا تصلح لهذا العمل وغيرك أحق به منك.
لأول مرة تشعر بأنها لم تعد تريد أن تستمر في تجرع القدوم كل يوم إلى مكان عمل لا تفعل فيه ما تحب، ولا تحترم فيه رؤساءها بكل عقدهم التي لا تنتهي، أيضا ابتسمت داخلها وهي تقول كل هذا لرئيستها وتضع خطاب استقالتها على مكتبها الفاخر وتدير ظهرها للمكان، لتبدأ من جديد في مكان آخر تحبه وتحترمه ويصقل إبداعها بصدق ودون عقد وبيروقراطية جوفت كل ما نفعل.
لأول مرة تعتبر عملها في ذلك المكان أيضا لسنوات طوال هو ساعة خنوع لن تعود، سنوات أهدرتها من عمرها معه ومع عمل لم يضف إليها شيئا سوى المزيد من التسخط والشعور بالعجز، سنوات أهدرتها لتصل لهذا القرار، إنها ساعة خنوع لن تعود.
ماذا بقي في عمرها لتهدره قبل أن تعرف من جديد أنه ساعة خنوع لن تعود؟ وكم هي الأشياء والأشخاص الذين يمكثون في حياتنا طويلا ويجب أن نواجههم ونوقفهم ونعتبرهم ساعة خنوع ولن تعود؟