الحوار الغائب

كلما شاءت الصدفة ورأيت حصة الاتجاه المعاكس للصديق الإعلامي فيصل القاسم، انتابني حزن كبير أمام مشهدية تراجيدية في الحوار. صراع بلا هوية ولا معنى ثقافي. التهم والشتائم والعجز عن بلورة رأي مبني على فكرة ما. قد يكزن ذلك جزءا من صورتنا اليوم. الحوار عندنا ليس حوارا، لكنه آلة للطحن ورفض الآخر، بحسب مركز القوة. الحوار يعني بالضرورة قيام علاقة مودة داخل الاختلاف، من خلال الكلام والحركات والرموز، يحميها المنطق والعقل.
عندنا، كثيرا ما يعني الحوار الإصرار على الرأي الخاص وإهمال ما عداه. كلما تم الانصياع للرأي المهين، تجلت الأخوية الشكلية، وكلما حضرت الندّية الثقافية تراجعت الحوارية وحلّ محلها الإقصاء. الحوار يعني بالضرورة التواصل وقبول التبادل في الأفكار والآراء. الحوار في النهاية تربية وليس خيارا آنيا. كل شيء يبدأ من اللحظة الأولى حيث السلطة الأبوية القاهرة فيربى الطفل على الخوف من إبداء رأيه مخافة إغضابه الوالد لأنه رمزية الصواب المطلق. حتى الأم تتبعها خطيئة الخلق الأولى بوصفها السبب البدئي في الخراب اللاحق. هذا الخوف يتبع الطفل حتى المدرسة، فيعوض المعلم صورة الأب، فيخاف الطفل من الإدلاء برأيه. ثم تأتي المؤسسات الاجتماعية والدينية والسياسية والعشائرية والقبلية، لتعمق الخوف الباطني. هكذا يكبر الإنسان منقوصا من ثقافة الحوار وآلياته. فيعوض هذه النقيصة بالإصرار على أحقية ما يفكر فيه. عندما يتسلم هذا الأخير منصبا، لا يأنس إلا لسلطان القوة في المؤسسة، في الجامعة، في الشركة وفي العلاقات العامة. فيعيد إنتاج ما تلقاه. لكنه عندما يواجه الأجنبي، تحوله فجأة عقدة الخواجة إلى مستمع جميل، فهو أمام قوة أبوية طاغية ليس بالضرورة بثقافتها ولكن بهيمنتها الحضارية.
لا غرابة، فنحن وأنظمتنا الثقافية والتعليمية هي من يصنع هذه الهزائم الداخلية. نحتاج إلى زمن آخر لتجاوز هذه الهزيمة التي لم يفرضها علينا أحد، ولكننا نرضعها مع حليب أم مقموعة وأب دكتاتور.