الكاتب عبدالعزيز بن سالم الغامدي

في الأسبوع المنصرم كان لي لقاء غير عابر مع الكاتب السعودي عبدالعزيز بن سالم الغامدي تحت شجرة للمشمش تابعة له في أحد الأودية الخضراء بمنطقة الباحة، كان عبق التاريخ ومغازلة السحاب ولطافة الجو رفيقنا طوال المجلس.
تجاذبت معه أطراف الحديث حول عمله وذكرياته في الصحافة السعودية قبل 60 عاما، وددت أن معي فريقاً إعلامياً لتوثيق اللقاء وتتبع تاريخ الحياة الصحفية من خلال ذكرياته فقط التي بدأت منذ عهد الملك عبدالعزيز ثم سعود وفيصل وخالد وفهد وعبدالله، تلك الرحلة الشاقة والجميلة التي انطلقت به من فتى فلاح في قرية ريفية جبلية إلى جسد وروح اعتادت على التجوال في أنحاء العالم.
كنت قد تشرفت والتقيت أديبنا وكاتبنا عدداً من المرات وكنت أحرص أن أنتقل معه إلى جيل العمالقة الذين كانت الصحافة لهم عشقاً ورسالة أكثر من كونها مهنة أو عملا، أن يحدثك شخص عن صحف سعودية كانت ملء السمع والبصر حينها ولكنها انقرضت الآن وتوقفت عن الصدور وكان له فيها صولات وجولات ستشعر حينها أنك في عصر آخر وزمن بعيد، تتمنى أن تجمع طلاب كليات الإعلام والصحفيين الجدد ليستمعوا لمحاضرات الرعيل الأول وهم يتحدثون عن صحيفة الندوة وعرفات وقريش والرائد وحراء والقصيم واليمامة والدعوة تلك الصحف التي لم يعد جيلنا الحاضر يعرف عنها شيئاً وإنما تسمع أخبارها في مجالس النخبة فقط.
دخل أستاذنا الكبير الآن في عشر الثمانين ونسأل الله أن يمتعه بالصحة والعافية، تنقل بين بلاد غامد وخرج من قريته بني مشهور في بداية 1362 ومنها بدأ رحلة الكفاح والبحث عن شيئين: لقمة العيش والمعرفة، فكان يعمل ويدرُس في مدارس مكة، ثم انتقل إلى جدة في مطلع السبعينات الهجرية الموافق للخمسينات الميلادية وأتم دراسته في مدارس جدة مع عمله قبل أن يلتحق بالوظائف الحكومية، تعرف على الصحافة وعشق الكتابة في عهد الملك عبدالعزيز ونشر بعض المقالات، ولكن همته ونشاطه ازداد في عهد الملك سعود وخاصة بعد 1376 للهجرة فكتب في غالب الصحف البلاد السعودية والندوة واليمامة وحراء وقلّت صحيفة سعودية إلا وجدت له مشاركة فيها وقد راسل بعض الصحف والمجلات الخارجية قبل 50 سنة ونشرت له مقالات ونقاشات، كان متجولاً وقرر أن ينتقل للرياض لظروف العمل الحكومي وهناك جمع بين العشق والعمل فكان يعمل نهاراً في الوظيفة ومساء يذهب محرراً رئيساً في صحيفة القصيم ثم انتقل إلى جريدة الجزيرة عندما بدأت عام 1385، تتبعت غالب مقالاته وهي بالمئات فوجدتها واحة فياحة ودوحة متنوعة، فهو مؤرخ عربي، ونسابة وأديب، وكاتب اجتماعي رفيع القلم، وناقد رياضي بارز وقد أدرجه المؤرخ الرياضي أمين ساعاتي في موسوعته عن الرياضة السعودية عندما تحدث عن أعلام النقاد الرياضيين السعوديين الأوائل.
عاش أديبنا وكاتبنا مع صناع القرار فالتقى الملك سعود مراراً والملك فيصل وخالد وفهد وعبدالله وعاصر بعقله ووعيه جميع الأحداث العالمية والتغيرات السياسية، وشارك برأيه وقلمه في بعض القضايا الكبرى التي أصبحت الآن تاريخاً يحكى، قابل كبار الأدباء والعلماء وشارك في كثير من المؤتمرات الخارجية قبل وبعد بداية الثورة النفطية.
ربما هذا الكلام لا يستهوي الكثير من أبناء الجيل الحاضر، ممن أصبح الماضي يمثل لهم نوعاً من التخلف كما يظن أكثرهم للأسف، فبهرجة الإعلام الجديد وتصدير بعض الرموز التي زادت من مستوى السطحية إضافة إلى تجاهل النوادي الأدبية والجمعيات الثقافية لكثير من رموز الوطن جعلنا نتساءل عن هؤلاء القامات لماذا يجهلها المعاصرون في حين تفخر الدول الأخرى برموزها وصناع حضارتها..
لعلي أيها القارئ فتحت لك نافذة صغيرة حول قامة وستجد مثله قامات لم نستفد من تجاربها ولم تصقل عقولنا ولم تصنع لنا بعدا حضارياً وثقافياً وتكسبنا تجارب عميقة ودورس مجانية في حياة مليئة بالصراع والمتناقضات.