تراجع قرصنة الصومال يزعزع "القاعدة"
الأحد، ٢٦ يناير ٢٠١٤
على الرغم من تراجع نشاط القراصنة قبالة السواحل الصومالية في المحيط الهندي والبحر الأحمر خلال السنتين الماضيتين إلى نسب ضئيلة جدا نتيجة للجهود الدولية في مكافحة هذه الظاهرة، لا يزال القراصنة يحتفظون بنحو 50 رهينة، مقسمين إلى 14 مجموعة، موزعين في مناطق بوسط الصومال هي: بري، غلغدودز، مدغ، وفق ما كشف أحد القراصنة أحمد قلوعو لـ»مكة»
واللافت أن تراجع عمليات القرصنة بنسبة كبيرة، انعكس سلبا على نشاط تنظيم «القاعدة» في الصومال، إذ تسبب بتدهور الوضع الاقتصادي لـ»حركة الشباب» - المسومة بالمتشددة والإرهابية وهي الحليف المحلي للقاعدة - التي فقدت حصتها في الفدية التي كان يدفعها ملاك السفن المختطفة لتحريرها مع الرهائن من أيدي القراصنة، وبالتالي فقدت «حركة الشباب» توازنها العسكري في وسط الصومال وجنوبه، نتيجة لانشقاق أعداد كبيرة من عناصر ميليشياتها وانضمامهم إلى القوات المسلحة الصومالية والحركات المتحالفة معها، مما اضطر الحركة إلى الانسحاب من المدن الاستراتيجية في الوسط والجنوب خلال العامين الماضيين
ويرى محللون في شؤون «القاعدة» وحلفائها، أن فقدان «حركة الشباب» حصتها المالية في الفدية التي يجنيها القراصنة من السفن المخطوفة، تسبب في تفككها ولجوئها إلى أساليب بديلة للتمويل تهدف إلى تعويضها ما فقدته من أعمال القرصنة، فاتجهت إلى ابتكار مصادر أخرى أقل دخلا مثل جمع الزكاة من الرعاة والمزارعين، والاعتماد على النظام الإقطاعي، وتحصيل تبرعات من شركات كبرى بالتهديد باستهداف مقراتها واغتيال موظفيها
وبحسب إحصاءات قوات حلف الأطلسي لمكافحة القرصنة البحرية الصومالية، فإن عمليات القرصنة تراجعت إلى درجة التوقف، وإن القراصنة فشلوا خلال عامي 2013 و2014، في اختطاف أي سفينة تجارية عابرة للسواحل الصومالية، في حين شهد عام 2012 اختطاف 5 سفن ضمن 35 محاولة أخرى
وهذا ما يؤكده القرصان قلوعو الذي لا يزال يمارس «المهنة» - على حد وصفه - بقوله إن العام الماضي كان الأسوأ في تلك العمليات التي امتهنها منذ 2008 في منطقة هوبيو (شمال شرقي الصومال)
وأوضح أن مجموعته لم تتحصل خلال 2013 والنصف الثاني من 2012 على أي فدية، كاشفا أن مجموعته لا تزال تحتجز 4 أشخاص من طاقم سفينة أطلق سراحها
ولفت إلى أن «حركة الشباب» على اطلاع بهذا الأمر وبسير المفاوضات وحجم الفدية وبقية التفاصيل المتعلقة بالصفقة
ويؤكد قلوعو أيضا أن «حركة الشباب» تتابع عمليات القراصنة وصفقاتهم لتنال حصتها
ويقول: حركة الشباب تسيطر على أجزاء من المنطقة التي نقيم فيها وتنطلق عمليات مجموعتنا منها، وهي لا تزال تتابع نشاطنا للتأكد من الصفقات التي ننجزها لتأخذ حصتها من الفدية
ويضيف: متابعة الحركة لنشاطنا وكل عملية أمر مزعج، لكننا نتقبله لأننا لا نريد حربا أخرى في البر، فهدفنا البحر فقط، لذلك عقدنا معهم صفقة منذ 5 سنوات ونحن ملتزمون بها تماما، بينما يصلنا منهم أحيانا تهديد مباشر بشن هجمات علينا
وعن الطريقة التي تتسلم بها «حركة الشباب» حصتها، أجاب قلوعو: تأخدها نقدا من مسؤولين رفيعي المستوى يتمركزون في إقليم شبيلي الوسطى المجاور لمناطق القرصنة
ووصف قدرات الحركة بأنها «عجيبة»، خصوصا في متابعة المفاوضات بينهم والشركات المالكة للسفن التي عادة ما تدفع الفدية
وأضاف: «لم يحصل أي خلل أو خلاف بيننا وبينهم، وكل الأطراف كانت حريصة على متابعة العمل بعضها مع بعض لإحضار المزيد، ولكن ما حدث خلال الآونة الأخيرة من زخم في محاربتنا (مكافحة القرصنة) أضر بعملنا، لكن مجموعتنا مصرة على مواصلة العمل والتحدي»
وكان نشاط القراصنة استفحل عام 2009 الذي شهد خطف 46 سفينة، مما دفع بعدد من البلدان إلى تشكيل فريق أمني سمي بـ»فريق الاتصال المعني بالقرصنة قبالة سواحل الصومال» (CGPCS)، كوسيلة للتعامل مع هذه المشكلة الدولية المستمرة، حتى وصلت إلى مجلس الأمن واتخذت قرارات أممية بمكافحة هذه الظاهرة.
إعادة تأسيس خفر السواحل
يرى محللون أمنيون أن الحصار البحري وحده لا يكفي لوضع حد للقرصنة البحرية في سواحل الصومال، مؤكدين أن الأفضل هو نقل المعركة إلى البر
وهذا ما دفع بالحكومة الصومالية إلى إعادة تأسيس قواتها البحرية التي بدأت فعليا بدورات في المياه الإقليمية القريبة من سواحل مقديشو
وقال قائد قوات خفر السواحل الصومالية محمد نور أفرو في مؤتمر صحفي عقده أخيرا في مقديشيو، إن قواته تكثف جهودها لمنع عودة القراصنة إلى عملهم، وإنها ستقوم بعمليات تمشيط واسعة النطاق خارج العاصمة لبسط السيطرة على السواحل الصومالية الطويلة
وأوضح أوفرو أن النجاح الذي حققته قوات الأطلسي لمكافحة القرصنة في السواحل الصومالية، يفرض على قواتنا أن تحافظ عليه لتأمين الملاحة البحرية
وفي السياق نفسه، قدم رئيس الوزراء عبدالولي شيخ أحمد، إلى البرلمان مشروع بناء قوة بحرية قادرة على حماية السواحل الصومالية، مكونة من ألفي جندي، ضمن مشروع حكومته الجديدة.
.. ومجون بحماية المتشددين
لا يشعر القرصان الصومالي أحمد قلوعو إطلاقا بتأنيب ضمير حيال ما قام به من استيلاء على سفن تجارية وسياحية واحتجاز بحارتها وركابها كرهائن لإطلاقهم مقابل فدية مالية
فهو يعتبر ما يقوم به مع أمثاله من أبناء جلدته منذ سنوات، واجبا دينيا مقدسا مع إقراره بأنهم كقراصنة يمارسون حياة مليئة بالمجون وبحماية «حركة الشباب» المتصلة بتنظيم «القاعدة»
وسألت «مكة» قلوعو الذي التقته في مقديشو: مجتمع الصومال مسلم، والسرقة في الإسلام حرام، ألا تشعر بتأنيب ضمير نتيجة لأعمالك التي تتنافى مع القيم الدينية والإنسانية؟ فأجاب: الشريعة الإسلامية تتحدث عن تحريم أكل أموال الناس بالباطل، وهذا صحيح، لكننا نعتقد أن هؤلاء اعتدوا على بلدنا وثرواته في ظل تجاهل العالم وغياب الدولة الفاعلة، وبالتالي وجدنا أنفسنا مضطرين للقيام بهذا الدور الذي نعتبره واجبا دينيا مقدسا
وتحدث قلوعو عن طبيعة حياة القراصنة الماجنة وعدم تعرض شركائهم المتطرفين (عناصر حركة الشباب)، لهم أو محاولة منعهم من ممارسة حياتهم الفوضوية
وقال: لم تتدخل الحركة في تفاصيل حياتنا الخاصة في مدينة حررطيري (المعقل السابق للقراصنة)، ولم يمنعنا عناصرها يوما من السهر أو الرقص، كنا نستمتع بحياتنا بينما نسمع عن إحكام قبضتهم الحديدية على القرى والمدن القريبة المجاورة لنا ومنعهم للموسيقى وشرب الخمر وتخزين القات، لم يمنعونا على الإطلاق، فهم شركاؤنا في العائد المادي لعمليات القرصنة، ومن مصلحتهم الحفاظ على مصالحهم الاقتصادية معنا
وأكد قلوعو أن القراصنة تتوافر لهم كل وسائل الترف، وكذلك يستوردون سيارات دفع رباعي لأنها تناسب أعمالهم
وعن دخله السنوي، أجاب: يختلف دخلي الإجمالي من سنة إلى أخرى، وأكبر مبلغ تقاضيته كان 200 ألف دولار من سفينة عربية، وحصل هذا قبل أن يؤسس المتنفعون تلك الشركات
وأوضح قلوعو أن ما يكسبه من القرصنة، يذهب سريعا، ولم يتبق له مما جناه سوى فيلتين، واحدة في مدينة غالكعيو بإقليم مذغ، والثانية في مدينة حررطيري، معقل حركة الشباب
وأشار قلوعو إلى أن هناك شخصيات كبيرة تملك مجموعات شركات لإدارة أعمال القرصنة البحرية، وقال: هؤلاء أكبر المستفيدين من عمليات الصيد (القرصنة)، أما نحن فنكسب القليل مقارنة بدخلهم.
نصيب التنظيم يعادل ميزانية الدولة
تفيد تقديرات البنك الدولي ومكتب الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات والجريمة، أن القراصنة الصوماليين تحصلوا ما بين عامي 2005 و2012 على 413 مليون دولار، من سفن تجارية وسياحية اختطفوها من المحيط الهندي والبحر الأحمر، ومن الذين احتجزوهم رهائن من بحارة وسياح غربيين، تولى ذووهم تسديد الفدية لإطلاقهم، وأن نسبة «حركة الشباب» من هذا المبلغ بلغت 20% أي ما يعادل 82
6 مليون دولار، وهذا المبلغ يعادل أيضا ميزانية الدولة الصومالية التي بلغت 84 مليونا لعام 2012
وأشارت التقديرات ذاتها، إلى أن القراصنة جمعوا خلال 2012، نحو 40 مليون دولار وحصة الحركة 8 ملايين، أي ما يعدل ميزانية 4 وزارات أساسية في الحكومة الصومالية
وقال الخبير الاقتصادي الصومالي عبدالقادر محمد عثمان لـ»مكة»، إن توقف نشاط القرصنة في الصومال يعني ببساطة انقراض الحركات الإرهابية التي لها صلة بتنظيم «القاعدة»، لأن الوضع الحالي للحركة يوحي بأن هناك قلة في التمويل لتحريك عملياتها ضد القوات الحكومية والقوات الأفريقية لحفظ السلام
وعد المواجهات المباشرة التي تخوضها الحكومة ضد عناصر الحركة، غير مجدية حاليا لأن الأفضل لاستئصال الإرهاب يكمن في قطع التمويل والإمداد عن الحركة.