الذين فهموا "السياسة" ماتوا
الأربعاء، ١٣ أغسطس ٢٠١٤
أنتَ يا أيّها الإنسان: كائنٌ يتكلّم السياسة بثرثرةٍ تسعى من خلالها أنُ تُثبت «وجودك» أو على أحسن حالٍ لتُخبرنا بأنّك لم تزل بعْد حيّاً، في حين ينتقض إثبات هذا الوجود في كونك لم تسع دوماً- وكما يجب- إلى أن تفهم ما تتكلّم به/ وعنه.!
وليس الفهم هاهنا محض حالةٍ معرفيّةٍ قِوامها: «كم» وإن يكن هائلاً من معلوماتٍ لم تجْهَد في فحص مصادرها؛ إنّه -أي الفهم- حالة معقّدة من متطلبات: «الابستمولوجيّة» و: «الانطولوجيّة» وما يمكن أن ينشأ عنهما بالتالي من نظرياتٍ ذات أبعادٍ ثلاثيةٍ
لا تقبل الانفصال: بٌعد الفهم- نفسه- وبُعد الفكر وبُعد التأويل. وأدوات تلحقها ضرورةً،.
وبكلٍّ.. فإنّه يمكن القول تبعاً لذلك: إنّ البحث الدؤوب عن تلمس الجادة التي تفضي بك إلى شيءٍ من الفهم هو الذي يُحدد حقيقة وجودك المعتبر، وذلك أنّ: «السياسة» ليست مجرد عملٍ يضطلع به: «كِبار القوم» ثم لا هي أعقد من هذه بكثير يلزمك اكتسابها قبلاً؛ إذ رُهِن خوض معركة: «الفهم السياسي» بمثل هذه الأسلحة وذخائرها. لِبسط أنواعها موضع في غير هذا المحِل تلبث أنّ ترى آثاره فيما ستفصح عنه: «نشرات الأخبار» والتي هي الأخرى لا يمكن لها أن تخرج تلك النشرات عن مقاسات ما يُريده: «الكِبار» أن يُفهَم حتى إن يكن عسيرا على أن يُهضم لمن كان له عقل أوألغى العاطفة وهو شهيد..!
فالسياسة بوصفها ممارسةً إنما تستدعي أولاً: الفكر في الفعل الآني، وتصطحب ثانياً: الحفر ابتغاء أن تخترق الحجر الذي يطيل قامات: «الكِبار» لمعرفة أي نوع هذا من الأحجار وعلى أيّ رقعة كان مستقرّه.؟!، وتستوجب ثالثاً: ذهنية متّقدة تجيد الربط فيما لا يُظن-بادي الرأي- أن ثمة رابط بينهما. إنها –أي السياسة- بهذا المعنى تستفز: «الوجود» وتحرّضك على أن تسأل نفسكَ- ما بين فينة وأخرى- عن مَن أنت؟!.
كما وأنّ السياسة من أجل أن تُفهم لا بد من تجاوز ما فيها من المستوى المعرفي في بِنيتها «المعلوماتية» حيث تفاصيلها المكتظة بالشخوص والأحداث إذ هي ملقاة- بهذا المعنى السطحي- على قارعة الطريق يرشّح أيّما أحدٍ للظفر فيها بمن فيهم «البدوي» وإن رَغم أنف «ابن خلدون»! ولطالما ظنّ كثيرون من متصدّري المجالس والفضائيات والصحف أنّ التوافر على الكم من الأسماء والتواريخ وحفظها عن ظهر غيب و.. و..-مع أهميتها إضافةً لما سواها- وحده كافٍ بأنّ المتحدث تحليلاً وكتابةً فضلا عن الاستقراء للمستقبل السياسي الذي طالما خذلّته حالات التنبؤ من قِبل عرّابي السياسة.. أؤكد ثانية:
ظنّ أولئك أنّ التوافر على شيءٍ من ذلك «الكم المعلوماتي» كافٍ وحدَهُ أن بمنح المتحدث والكاتب الوصف بكونه «فاهماً»! وعند التأمل لكثير من أحوال هؤلاء النفر تكاد معه أن تجزم بوقوعهم في «الفخ» الانتفاخي وبخاصةٍ حين ينطلق أحدهم بـ: «القول السياسي» جرّاء معلوماتٍ قد سُرّبت إليه فاستطالت قامته في «المشهد السياسي» بدعوى قراءاته التي في الغالب ما تأتي الأحداث بغدٍ وهي تصدّقها..! على الرّغم من الافتضاح البيّن لآليات توظيفهم على نحوٍ يتأكد معه عدم فهمهم لما انشغلوا فيه تحدثا/ وكتابةً. ولئن يكن هذا في حال مَن يُشار إليهم بالأكف تخصّصاّ واهتماماً فإنّ الحال في شأن العوام -أمثال الكثير منّا- هي أكثر فضائحيّة على نحوٍ تتأذى منه العامة وحدها بشوك «زهرة» السياسة عقب أن تجف وينضب معها عبيرها لصالح الكِبار وحدهم.
هي: السياسة إذن تلك التي تبدو فيها «جاهلاً «إذا ما صرفتَ عنايتك كلّها ابتغاء أن تمسك بتلابيب «أجوبتها» ذلك أنّ السياسة بحقيقتها لا تعدو عن كونها الانفتاح الأوسع على أسئلة الممكن وغير الممكن؛ لتتحوّل سؤالاتها بالتالي إلى إصابةِ شيءٍ من: «الفهم» المتحوّل بدوره إلى التفكير المستقل في مجريات المشهد «السياسي» متوسلاً بذلك التأول لا على اعتبار هذا الأخير مجرد موقف بيداغوجي بل بوصفه الفهم غير التلقيني، وذلك هو الفهم الصائب الذي من شأنه أن يرفض تحشيد الأسئلة الوجودية والتي عادة -هي الأخرى- ما تربك أولئك القوم الذي يقفون في الخلف من دفع السياسة باتجاه مصالحهم.
ومن هنا يصحّ أن نسأل: هل الذين يفهمون «السياسة» غاروا من الذين «اختشوا» فماتوا برفقتهم، وذلك أنّ ستر العورة هو الشرط الذي يضمن بقاءك حيّاً؟!.