كيمياء

هذا الذي نجده داخلنا ولا نجيد تفسيره ولا نعرف مصدره عندما نقابل إنساناً ونشعر نحوه بالارتياح أو عدمه، وهذه الطاقات الغريبة الواسعة للمخ البشري في إدراك الأشياء أو الأحاسيس والتي هي بفضل الله وراء القوة العظمى لتطورنا ومعرفتنا أنه لا يحدث شيء بدون سبب، وذلك الغشاء الرمادي المتسع على سطح المخ والذي لا حد لقدراته والذي كما يخبرنا العلماء لا نستخدم منه إلا أصغر جانب تماماً كما لو أنك تسكن في قصر كبير ولا تستخدم منه إلا حيزا صغيرا ترتاح للبقاء فيه دون بقية الأجزاء.
لا نستطيع تفسير الكثير من ذلك، إدراك لا شعوري لما يتضمنه ذلك الغشاء الرمادي ونظل نشعر بالحيرة الدائمة لكثير مما يحدث معنا وداخلنا، ونلجأ لخبراتنا في محاولة فهم ما يدور في عقولنا وهذه الخبرات أيضاً قد تكون أضخم من أن تخضع للفهم والإدراك.
وقد نلجأ إلى الصلاة في كل الأديان أو الترانيم أو الأعشاب التي تساعد في (فك) الضغوط الملحة التي يفرضها محيط الإنسان أو أية طقوس نستمدها من بيئتنا التي تؤثر في كل ذلك شئنا أم أبينا، ذلك كله في محاولة لا ندركها تماماً نقوم بها ليتوقف المخ عن استقبال المحسوسات العادية وكأنه يكرس جهده لمواجهة خطر مقبل فنهرب إلى النوم مثلاً، فيسعى المخ نتيجة لضعف المحسوسات إلى شغل الفراغ فيعتمد على ما في العقل الباطن ويتمرد على الرؤية التقليدية للواقع.
نحن نحس فقط بما نستطيع إدراكه ونعدل شعورنا بهذه الأحاسيس وفقاً لطريقة خاصة نعرفها حسب الصورة التي نكوِّن عليها الأشياء، فلو زودنا شخصاً بنظارة تقلب الصور، سيرى الشخص الأشياء مقلوبة ولكن بعد يوم أو اثنين يقوم المخ بتصحيح الرؤية الواردة إليه فيرى الشخص الأشياء في وضعها الطبيعي وكأن مفعول العدسات في النظارة قد توقف، وإذا ما خلع النظارة سيرى الأشياء مقلوبة لفترة من الزمن! معنى هذا أن المخ البشري لا يجعلنا نرى الأشياء (كما هي) بل (كما يجب أن تكون).
الأطفال عادة يرون الأشياء بنقاء شديد لا نملكه نحن كثيراً، وهذا جانب طبيعي من خبراتهم وقد نراه في رسوماتهم مثلاً، وعندما يتقدم بهم العمر تعتم رؤيتهم تلك وتصبح الأشياء أكثر تصنعاً.
ماذا يحدث إذن عندما نلتقي بإنسان للمرة الأولى ونشعر بانجذاب شديد نحوه ونستمتع بقربه وتهدأ روحنا ونحس بأننا التقيناه من قبل – وما التقيناه قط - وأننا لا نتكامل إلا به؟!