الشعر فعل الوجود المطلق

الشِعر في أصل معناه اللغويّ شَعرٌ مستوطن في الجسد، أو نابت منه، لكنّه يحاول جاهدًا التمدّد خارج أسوار الجسد، هو شَعرٌ ذاهب هناك ليحسّ بالوجود الفائض عن حدود الذات، كيما تحسّ هذه الذات بالوجود، فتشتعل توتّرًا به، أو تغفو على زنده وتنام.
فلمّا تحوّل الشعر إلى شعور، وإحساس، ومشاعر، وشعائر، صار جامعًا كلّيًّا لأفعال الإدراك والعاطفة والحسّ الماديّ، ونشوة الفعل الجنسيّ، ولذّة الطقس التعبّديّ على حدّ سواء.
لذلك اختار الشاعر من اللغة طاقة خلقها وإبداعها، أو قُل انفعل بها لتخلق هي تجربته، أو ليخلقها هو من جديد. من هنا صار الشاعر ملتبسًا في علاقته باللغة؛ أهو من يمتطيها ويخرق مواضعاتها ويفترع عذريّتها، أم هي التي تخونه مع كلّ عشّاقها من السادة الهائمين من الشعراء، والأتباع الغاوين من بقيّة البشر.
أغلب الظنّ أنّ الشعور الذي يعتري الشاعر في حالة الإبداع هو شعور مختلط، بين فعل يقوم به هو بنفسه، وانفعال يقع ضحيّة له هو ذاته؛ فعل يشعره بأنّه ابن السماء المدلّل الذي يعلّم الأرض أسماءها، وانفعال يشعره بأنّ طين اللغة هو حدّه القاسي، وسياجه الجالب لمتعة التمكين. ولعلّ طاقة اللغة هي التي تهبه كلّ هذا الفيض من الاختلاط، فيواقعها وتواقعه، ولا يبقى في ساحة النزال غير الانكشاف على الذات في أخصّ خصائصها، فلا يعود الشاعر الحقّ يخجل من العري، ولا تعود اللغة هي كذلك تخجل منه، وهنا تتولّد القصيدة، من حمأة الطين الجسد، ومن فضاء الروح بنوع من المدد، معبّرة عن الدهشة، دهشة الخلق، ودهشة الاندماج بالحقّ، فتصير القصيدة بسبب ذلك كلّه فعلاًوجوديًّا بامتياز.