مكة.. الجريدة

لا أستطيع أن أقول إنها مغامرة، وإنما هي بالتأكيد جسارة مقدام، عندما أعلن الشيخ صالح عبدالله كامل، صباح يوم الخميس غرة محرم من العام الهجري 1434، بوصفه رئيس مجلس إدارة مؤسسة مكة للطباعة والإعلام وصحيفة (الندوة) المكية، في كلمة وداع نشرتها صحيفة (الندوة) وأنها ستتوقف عن الصدور اعتبارا من مطلع الأسبوع القادم!
وقد كان الإقدام متجسدا في عزم الشيخ صالح إصدار صحيفة تنشرها مؤسسة مكة للطباعة والإعلام بدلا عن صحيفة (الندوة) ذات التاريخ العريق الذي كان امتدادا لتاريخ (حراء) التي كان يصدرها الأستاذ صالح جمال، ثم لما صدر قرار دمج الصحف وتم دمج (حراء) مع (الندوة) تنازل الأستاذ أحمد السباعي صاحب ورئيس تحرير (الندوة) عن الاسم مقابل 38 ألف ريال دفعها له الأستاذ صالح جمال في اجتماع بمنزل الأستاذ أحمد السباعي بحي «جرول» بمكة المكرمة، وحضره كل من: الأستاذ أحمد ملائكة، والأستاذ أحمد محمد جمال، والأستاذ حسن قزاز، والأستاذ حامد مطاوع، والسيد أمين عطاس، والأستاذ محمد مليباري، والأستاذ محمد الصحاف، وكاتب هذه السطور. وقد أكرم الأستاذ السباعي مجموعة الحاضرين بعشاء قوامه خروفان في أربعة «تباسي» إلى جانبها صحون السلطة الخضراء والسلطة الحارة وصحون الفاكهة، وصحون «الأناناس» المعلب الذي كان عندما لا تتوفر الفواكه يكون هو فاكهة السليق.
هذه ذكرى عزيزة انداحت على ذهني بعد مرور نصف قرن على حدوثها.
وأعود إلى جسارة الشيخ صالح كامل، رئيس مجلس إدارة مؤسسة مكة للطباعة والإعلام، الذي عزم على إصدار صحيفة (مكة) في الوقت الذي تشهد فيه كبريات الصحف الورقية انخفاض توزيعها، كما انهارت بعض الصحف الصغيرة، إذ اتفق مع مؤسسة «أسبار»، لصاحبها الدكتور فهد العرابي الحارثي، على وضع دراسة للجريدة الوليدة (مكة) لقاء خمسة ملايين ريال.
ومضى عام تلاه آخر وصدرت صحيفة (مكة) وترأس تحريرها أخي الدكتور عثمان الصيني.. ولعله من المفيد الوقوف على محطات ومعالم تلقي مزيدا من الضوء على مسار هذه الجريدة.
هي ليست في حقيقة الأمر - كما أسلفت - وليدة، ولكنها حسبما هو معروف امتداد لصحيفة (الندوة) المكية التي أسسها الأستاذ صالح جمال، ولكنها أغلقت بعد نصف قرن من تحولها إلى جريدة مؤسسة مكة وخرج منها صاحبها.
وكان الأستاذ صالح جمال - رحمه الله - قد وضع شعارا لجريدة (الندوة) هو (كفاح مشروع لخير المجموع). وكان يكتب فيها فطاحل المجتمع، أمثال الأستاذ أحمد عبيد - رحمه الله - مقالات على الصفحة الأولى بعنوان (رأي من الشعب) فكانت جريدة الندوة فعلا كفاحا مشروعا لخير المجموع.
ثم في عهد الأستاذ حامد مطاوع، والأستاذ يوسف دمنهوري كانت (الندوة) تنشر على الصفحة الأخيرة، فيما أذكر، كل يوم آية وحديثا.. وكان ذلك مناسبا، لأنها جريدة مهبط الوحي.. وممثلة لمكة المكرمة، أقدس بقاع المعمورة.
فلما ظهرت (مكة) هذا العام خلت من شعار (كفاح مشروع لخير المجموع)، ومن ركن الآية وركن الحديث.. وكان الناظر لها لا يفرق بينها وبين أي جريدة أخرى.
إن الأهرام المصرية، والنهار اللبنانية، وكذا عكاظ لها شخصيتها، ولذلك لا بد لجريدة مكة أن تحافظ على شخصيتها المكية وأن يشعر القارئ المكي أن هذه الجريدة تمثله.. غير أنه للأسف لا يجد هذا النَّفَس، فيما عدا يوم الجمعة بالصورة التي تنشرها (مكة) كل جمعة عن مكة المكرمة ومعالمها.. وهذا ما ذكرته في عمود في عكاظ قبل شهرين.
لكن مع هذه الملاحظات لا بد أن نذكر الإيجابيات، فجريدة مكة حقيقة نَفَس جديد في الصحافة السعودية، ففيها المعلومة الوفيرة.. والموضوعات المفيدة المطرزة بخرائط ورسوم بيانية معلوماتية وإحصائية ملونة، وفيها زاوية لصورة حديثة على الصفحة الثالثة وصورة مكبرة في قسم الاقتصاد ومثلها في الصفحات السياسية، وصورة مكبرة في قسم الثقافة.. وأخيرا صورة مكبرة في قسم الاجتماعيات.
أما في مجال الرأي فقد خصصت ثلاث صفحات كاملة ويكتب فيها أمثال الشيخ صالح كامل، والدكتور فايز جمال، أما فايز جمال، فهذا الشبل من ذاك الأسد.. دافع عن مكة وتناول قضايا الشأن المكي، وأما الشيخ صالح كامل، فما زلنا نتوقع أن يبتعد عن القضايا الإسلامية، فما أكثر من يكتب فيها، وأن يكتب هو عن تجاربه وذكرياته، وهي غزيرة وثرية.
هذه انطباعات عن جريدة (مكة) كتبتها استجابة لإلحاح أخي الدكتور عثمان الصيني، وأتمنى لها النجاح وأن تكسب مزيدا من الإعلانات كي تزدهر.