الحرب على غزة في منظور السياسة
الأحد، ١٠ أغسطس ٢٠١٤
ربما تكون مباحثات الوفد الفلسطيني الشامل، التي بدأت في القاهرة قبل نحو عشرة أيام، في مسعى إلى وقف الحرب التي تشنها إسرائيل على غزة؛ مناسبة مهمة، غير مسبوقة، لكي يحل فصيلا «حماس» و»الجهاد الإسلامي» في كنف السياسة، من حيث هي نسبية ولا تحتمل المطلق، ومن حيث هي ممارسة لفعل المواجهة المباشرة مع الحقائق والمعطيات والمعادلات الموضوعية، التي لا تُغير الأمنيات ولا العواطف، سياقها العام، وإن استطاع حاملو العواطف والأمنيات إحراز بعض المزايا التفصيلية، بشفاعة حضورهم، فضلاً عن العامل الإنساني المتعلق بوضع الشعب الفلسطيني في غزة.
في مباحثات القاهرة، تحصنت «حماس» و»الجهاد» بموقف يؤكد على حق الدفاع عن النفس حيال عدوان إجرامي لا يوفر بشراً ولا حجراً. عند هذه النقطة يستقيم الكلام ويوائم السياسة. ومن وحي المكان، يُقرأ المسكوت عنه في المباحثات: لا غنى عن مصر، ولا عنوان تقصده غزة يسبق القاهرة، أياً كان الذي يحكم في هذه القاهرة. ففي غزة ومن غزة، ليس بمقدور كيان أو بطل، أن يكتفي بنفسه، وأن يقهر وحده، الجوار الأبعد مع الجوار الأقرب، وأن يكون «ابن ماء السماء» على نحو ما وصف نفسه ملك الحيرة، المنذر بن امرئ القيس، عندما كان يصول ويجول في الإقليم قبل الإسلام. ذلك بمعنى أن الشأن المصري يُترك للمصريين، مثلما تُترك لغيرهم شؤونهم. هنا، فضلاً عن العِبَر فيما هو مُتداول في المباحثات؛ هناك عِبر في المسكوت عنه حمساوياً في القاهرة: فلا شأن للفلسطيني، أياً كان، بمؤمني مصر أو مارقيها من الوجهة السياسية. ثمة شأن واحد، وهو أن المصريين، جميعاً، أشقاء أقربون وأعزاء. ليس ذلك على قاعدة المصلحة الوطنية الفلسطينية التي تمليها جغرافيا سياسية وحسب؛ وإنما كذلك على قاعدة المعطيات الموضوعية. فمن ذا الذي في وسعه أن يزعم، أن شيئاً سيتغيّر في معادلات السياسية الإقليمية، لمجرد أن يتبوأ «الإخوان» الحكم هنا أو هناك؟!
فلا تغيير جذرياً، إن لم تقع تحولات تاريخية استراتيجية، ربما تكون أقل شمولاً وعمقاً من تلك التغيرات الجيولوجية التي حدثت على سطح الأرض، فشرختها وشقت لمياه المحيط بحراً سموه الأحمر. هكذا هي الأمور حتى الآن على الأقل. فمنذ العام 1977 لم يتبدل جوهر السياسة المصرية حيال إسرائيل: التسوية ثابتة، والمواقف تعلو وتنخفض، والمصريون يؤدون دورهم في مساندة القضية الفلسطينية، وفق الصيغ التي اعتمدها رافضو الصلح قبل مؤيديه، هذا إن لم تزد عنهم تأثيراً ومثابرة. فمن بين الرؤساء الأربعة الذين تعاقبوا على حكم مصر بعد السادات الذي أبرم اتفاقية «كامب ديفيد»؛ كان هناك واحد من «الإخوان». فإن قلنا إنه لم يُعطَ الفرصة الكافية، نقول إن «مُرسي» نفسه، لم يُعطِ إشارة مضادة لمعطيات السياسة. بالعكس، هو زاد في المجاملة عندما أرسل لشمعون بيرس خطاب تهنئة. وكانت مصر، في عهده، وسيطاً لوقف إطلاق نار سابق، وطرفاً مأمون الجانب، مثلما هو وضع مصر في عهد «السيسي» الآن!
كثيرة هي العبر، التي يستقيها الوافدون إلى كنف السياسة. فمن يعزف عن السياسة، يعزف عن الاضطلاع بالمسؤولية بمعناها الشامل في الدين والدنيا وما يتعلق بالمصير. حسنٌ ومقدَّر، أن تقاوم عدواً غاشماً. وهذا واجبٌ، لكنه ليس كل الواجب. فأن تحفظ دماء المسلمين ومقدراتهم من سفك وتدمير مُحققيْن، يُعدُ مسؤولية كبرى أعمُّ من الواجب. لقد جاء المصريون بإحصائية الشهداء في مساء يوم إعلانهم عن مبادرة لوقف النار، وكانت لا تتعدى الـ800 وهذا رقم فاجع بحد ذاته. وفي يوم وصول الوفد الفلسطيني، زاد العدد ألفاً، ناهيك عن حجم الدمار. ذلك علماً بأنه إذا كان الطرف الذي يتعرض للعدوان في حاجة الى الوسطاء المتعاطفين؛ فإنه أحوج إلى المساندين بالنيران من معسكر الطنين. فقد استنكف هؤلاء عن النُصرة. من هنا ينبغي اشتقاق أفكار السياسة ومقارباتها. ليس ذلك عيباً ولا تخاذلاً. فالسياسة وحدها، هي التي تعلّم من يتعاطاها، كيف يحدد خياراته وكيف يحسب. فعندما لبى المعتصم، نداء المرأة التي أخذها الروم سحلاً إلى السجن، كان الرجل يقوم على حال اقتدار، لا على حال بلاد مضطربة. لم يجهز -آنذاك- أحدٌ مثله، سلاحاً ومؤناً ومعدات حرب، فلما اضطر لأن يحاصر «عمورية» المنيعة، ظل يحاصرها ستة أشهر دون كلل، وهذا فعل لا يقدر عليه من يتعرضون لحصارات القوى العظمى من الخارج، وللدواعش المشبوهين وذوي المواويل، من الداخل!