الأنظمة والناس
الجمعة، ١٢ ديسمبر ٢٠١٤
مقالي اليوم مجزأ إلى ثلاثة أقسام مستقلة كنماذج ولكن مشتركة كمفاهيم، تناقش العلاقة المتدافعة بين الأنظمة والناس في الحياة الاجتماعية المشتركة. أبدأ القسم الأول بمناقشة ما قامت به وزارة التجارة ومنسوبوها من عمل جريء لإعادة الاعتبار للأنظمة التجارية في ميدان السوق المحلي، وذلك بالضغط على التجار لأخذ تلك الأنظمة في الحسبان كمفاتيح وقواعد رئيسة لدخول اللعبة المحلية وممارستها. من الطبيعي أن نشهد مقاومة متصاعدة من أولئك الذين شعروا بتهديد الأنظمة لبعض مصالحهم أو جعلها ثانويه أمام مصلحة السوق والمستهلك. وقد نفقد بعض الأسماء التجارية البارزة كونها ترفض احترام أنظمة اللعب النظيف، ولكن لن يكون رحيلهم نهاية الطريق، بل البداية المبشرة. فخروج تلك القامات العريضة التي زاحمت أسواقنا بأحجامها وتحالفاتها (الاحتكارية) ونمطيتها المملة (التي تفتقر للتجديد والتنويع) وسياساتها التسويقية دون المستوى، سيتيح مساحات واسعة للاعبين جدد أكثر كفاءة وتنوعا في الأداء والجودة والأسعار منطلقين من أسس قواعد اللعب النزيه ومن احترامهم وجديتهم في رفع تفضيلات المستهلك لمعايير جودة وأسعار أفضل.
وصلتي الثانية تناقش ردود أفعال الناس تجاه الأنظمة وتحديثاتها. شهدت السنوات الأخيرة ظهور وتحديث عدد من الأنظمة التي تسعى إلى تحسين طبيعة علاقات الناس إلى مستويات ترقى وتلائم الظروف المتجددة التي تحيط بنا، وتشمل على سبيل المثال أنظمة الترافع والإجراءات الجزائية والمحاماة، ونظام حماية الطفل، وأنظمة استقدام العاملات المنزليات والسائقين وغيرها. كيف ستكون أصداؤها وردود أفعال الناس تجاهها؟ من المتوقع أن نسمع بعض الأصوات المعارضة أو بعض التجاهل، تماما كما يفعل بعض التجار تجاه حملات تفعيل الأنظمة. من بين الأسباب شعور البعض بالارتياح تجاه الأنظمة القديمة أو غياب القانون أو بالانزعاج من التغيير الذي قد لا يفهمونه أو قد يهدد بعضا من مصالحهم الشخصية. في اعتقادي، إن الحس المجتمعي – و منه الشعور باحتياج الآخر للحماية ورفع الظلم والذي من أجله يتم تطوير الأنظمة - شيء نفتقده، لغياب التوجيه والتوعية المنظمة والتي تبدأ بالطبع من المدارس والجامعات – القنوات التي يمر عبرها كل أفراد المجتمع، وينبغي ألا يخرج منها فرد إلا وقد تم غرس ذلك الحس فيه.
وصلتي الأخيرة تناقش الصراع بين الثقافة المحلية وأنظمة المرور. لماذا تكثر المخالفات المرورية وحوادث الطرق بالرغم من وجود الأنظمة وأدوات التفعيل التي لا تختلف كثيرا عن مثيلاتها بالدول المتقدمة؟ في اعتقادي، السبب يعود إلى وجود تصادم بين ما تمليه الثقافة الدارجة – أو ما يعيه ويثقفه الفرد - وبين الأنظمة. فحينما تذكر الأنظمة الناس بأولويات العبور عند التقاطعات ومداخل الطرق، تعترضها ثقافة السائق بقناعات دارجة تخضعه لمقاييس توسمه بصفات منبوذة كـ»الغشامة» عند التأني أو «الجبن والخوف» عند تأخر قرار الدخول أو التجاوز أو السرعة، وأخيرا «مسوي نظامي» إذا ربط الحزام. تعزيز الوعي حول متطلبات الشراكة المجتمعية سواء على الطرق أو غيرها يمكن أن يسد الفجوة بين الثقافة والأنظمة.