التغريد خارج السرب.. تحدده نغمة الطير

ليس كل من غرد خارج السرب يكون مجددا، ولا كل من شذ في آرائه يعتبر مفكرا، لأن التغريد بهذا الشكل تحدد صلاحيته نغمة الطير.
الموقف الذي اتخذه الأزهر ضد هيئة علماء المسلمين التي يرأسها القرضاوي، هو من وجهة نظري موقف صحيح وذلك يعود إلى عدة اعتبارات:
أولا: الشيخ القرضاوي أسس هذه الهيئة للخروج من عباءة الأزهر والمجامع الفقهية التي تسير في حدود المصلحة العامة التي تتفق عليها الأنظمة والشعوب، وبالحكمة في مواجهة الأعداء وأخطاء الأصدقاء، وهذا ما لا يحبذه القرضاوي من خلال معرفتي لشخصيته استنادا على خطابه المكتوب والمقروء، فهو طالب زعامة على الأمة ولكن الأزهر والمجامع العالمية لا تخضع لرأي شخص أو لفكر مجموعة بل تحكمها الملابسات التي تكتنف الأحكام والمواقف من وقت لآخر ومن موقف لموقف، إضافة إلى أن في الأمة علماء أكثر منه علما وعمقا لا يصح أن ينضوي تحت عباءته التي حاول بكل الوسائل تفصيلها واسعة ليدخل فيها الجميع.
ثانيا: الذين يستهويهم الخروج عن منظومة الامتداد الفقهي واحتقار المذاهب الكبرى أو الاستعلاء عليها من منطلق الافتتان بالنفس والثقة بها علما ومكانة تفوق أو تساوي في نظره مكانة أئمة هذا الامتداد الهائل من رجال الاجتهاد المطلق وأتباعهم من أئمة الإسلام المشهورين الذين وضعوا بين أيدينا المصادر التشريعية نقلا بالسند المتصل بداية بالقرآن وانتهاء بالآراء الاجتهادية للسلف، هذه النوعية من العلماء لها أثر سيئ في الأمة خصوصا في البنية التراتبية والتراكمية والتنظيم الدلالي لهذه الأمة
بغض النظر عن الآراء التي تثير المتلقي كقضايا الترخيص أو التيسير أو المواقف ضد الأعداء انفرادا عن الموقف العام الذي يراعي المصالح والمكاسب التي ينظر إليها عموم العلماء من وجوه أخرى بعيدا عن المراهقات باسم التجديد أو الجهاد أو الدعوة إلى الثورات على الأنظمة أو أي شيء آخر. من هنا نرى وصف الشذوذ سمة عامة لأولئك الممتهنين لمكاسب العقل الإسلامي المتصل والممنهج سواء في باب الفقه أو في باب الحديث أو باب علم الكلام أو في باب الممارسات السياسية، ومما يؤسف له أن يسمى ذلك تجديدا وليس ثمة جديد أصلا سوى النوازل التي يحكم فيها المجتمعون لا الأفراد، والمجامع لا التجمعات.
ثالثا: أخطر ما في الأمر أن الهيئة جمعت في أروقتها الذين تستطيع توظيفهم في تنفيذ عدد من الأهداف التحشيدية ضد حاكم أو عالم أو مؤسسة لا تخضع أو تتفق مع وجهتها.
وكثير من أعضاء الهيئة ينتمي إلى أحزاب إسلامية تستقوي بها الهيئة أو طالب زعامة في بلده، أو طالب شهرة ومكانة علمية، ولذلك رأينا عددا من أعضائها انطلقوا أيام الثورات إلى بلدانهم ليختطفوا المواقف كما هي عادة شذاذ الفكر والرأي في التاريخ، وقد رأينا القرضاوي كيف انطلت عليه الأمور وخانته البصيرة فقام يخطب في ميدان التحرير متجاوزا حكمة الأزهر وعقلانية علمائه وزهدهم في الشهرة واعتلاء منابر الفتن التي أحرقت ناصيته فيما بعد، وإيهاما من الإخوان والسلفيين أن الثورة ثورتهم والكعكة لهم في موقف مخزٍ لن ينساه التاريخ لهم.
ولا شك أن الهيئة حاولت استغلال عدد من العلماء المعتبرين كواجهة لها من السنة والشيعة والإباضية ولكنها تكشفت النوايا فيما بعد وقفز منها من أراد النجاة لنفسه.
وفي فتنة ليبيا كان يخرج عدد من طلبة العلم متحدثين باسم الثورة وكان يدبج تحت أساميهم في كل مرة (عضو في هيئة علماء المسلمين)، وأحدهم لا تصح منه فتوى ولا يجوز أن يسمح له بالتحدث في أمور مصيرية كهذه!
ومن الأعضاء من اتخذ الوعظ مهنة وبحكم الشهرة أصبح عالما وعضوا في هيئة العلماء ويحكم هو وأمثاله في دماء الشعوب وهو أقل من أن يستفتى في الوضوء أو في أقل من ذلك ولست مبالغا وأيم الله.
من هنا وجب توجيه الأمة إلى الثبات على اتباع السواد الأعظم من العلماء الربانيين الذين أثبتوا بأنهم أزهد الناس في السلطة أو في الشهرة أو في المكاسب التي تجتنى من وراء انسحاق الشعوب. كما يجب ترك الآراء الشاذة والثبات على عموم المذاهب الكبرى التي حفظت بها الشريعة منذ عصر التابعين إلى الآن، ومنع الفتاوى خارج المذاهب، تلك المذاهب التي تحمل داخلها بذور التجدد وأصول السعة سواء فيما استقرت عليه الفتوى أو الآراء الاجتهادية داخل المذهب أو النوازل التي لا يصح أن تصدر عن شخص واحد بل يجب أن تكون صادرة من جمع من العلماء لتضبط سير المجتمع الذي بات لا يعرف كيف يتدين لربه بسبب هذه الفوضى.