أمراء الحروب يعيدون تشكيل جغرافيا الشرق الأوسط
السبت، ٩ أغسطس ٢٠١٤
تتصاعد الأحداث في منطقة الشرق الأوسط إلى الحد الذي خرجت فيه عن حدود السيطرة، ووصلت إلى درجة يصعب معها ملاحقتها، بل وباتت تشكل فوضى ليس في الوطن العربي فقط إنما قد تلحق أضرارا بدول الجوار والعالم.
فالتنظيمات الإرهابية وفي مقدمتها تنظيم داعش تعيد تشكيل المنطقة والعالم العربي بالوكالة عن الجميع، وأصبحت الكلمة الآن لأمراء الحروب الإرهابية.
نظام ما بعد أمريكا
رغم مرور مئة عام على الحرب العالمية الأولى 1916، فإن العالم لا يزال مشغولا بمعالجة الآثار المترتبة على تداعيات انهيار الإمبراطورية العثمانية في الشرق الأوسط، والتي تزداد يوما بعد يوم إلى الحد الذي خرجت فيه عن السيطرة.
العالم يتحرك الآن باتجاه "نظام جديد" يمكن أن نسميه (ما بعد النظام الأمريكي في الشرق الأوسط) حيث أصبحت "التعددية القطبية" تحتل مساحة الفراغ في الشرق الأوسط التي تركها وارءه الانسحاب الأمريكي، كما يقول يافز بيادر.
إلقاء اللوم على اثنين من رؤساء الولايات المتحدة "جورج بوش الابن" الذي كسر إناء غير مصقول (العراق) في 2003، ثم "باراك أوباما" الذي لم يهتم كثيرا بالعواقب المترتبة على سحب القوات الأمريكية بعد أن اطمأنت من تحطيم الإناء تماما، لا يكشف عن وجوه الحقيقة كاملة.
داعش والمتوسط
إن طائفية رئيس الوزراء العراقي المنتهية ولايته نوري المالكي ووحشية الرئيس السوري بشار الأسد ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التي لا حدود لها، وأخطاء إردوغان القاتلة، دفعت العالم بعيدا عن أي أمل في تحقيق السلام والاستقرار في الشرق الأوسط.
لقد أصبح فراغ السلطة في المنطقة من نصيب "وحش" آخر يعيث في الأرض فسادا في سوريا والعراق، هو تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، أو داعش الذي استطاع في الأيام الأخيرة ليس فقط ملء الفراغ إنما أيضا دحر البشمركة الكردية وسيطر على أكبر سد في العراق وأكبر حقول النفط إضافة إلى أهم ثلاث بلدات.
إن السيطرة على "سد الموصل" الذي يولد الكهرباء، يمنح قوات داعش القدرة على إغراق المدن العراقية الكبرى أو حجب المياه عن المزارعين العراقيين والتحكم بحياتهم وقوتهم.
الهجرة الجماعية (مئات الآلاف) من الأكراد والتركمان والشيعة والمسيحيين والآيزيديين نحو شمال العراق (أربيل)، ووصول المقاتلين الأكثر وحشية من أتباع الخليفة "أبو بكر البغدادي" إلى لبنان والحرب حول "عرسال" لها تداعيات أكبر بكثير من "حرب غزة" لأن المسألة تتعلق بحدود "دولة الخلافة الإسلامية" التي أصبحت تمتد من نهر دجلة إلى البحر المتوسط!
الجغرافيا والتاريخ
الأخطر من ذلك أن نجاح داعش في الوصول إلى البحر المتوسط معناه أن المحافظات الجنوبية من تركيا هي المحطة المقبلة، وكأن الخلافة ليست تاريخا مضى وإنما جغرافيا قائمة دوما! اللافت للنظر أنه لا وزارة الدفاع أو وزارة الخارجية الأمريكية أو البيت الأبيض أو الكونجرس لديهم أدنى اهتمام بما يجري بالشرق الأوسط، فقط، كما قال "ديفيد فيليبس نائب مدير «مركز العمل الوقائي» في مجلس الشؤون الخارجية الأمريكية؛ كل ما يشغل أوباما والكونجرس هو "كردستان" لأنها - الوحيدة- حليفتنا وليست عدونا"، ما يعني أن واشنطن سوف تقوي علاقتها مع الأكراد العراقيين، ولأن الدولة الإسلامية تشكل تهديدا لأنقرة، فليس أمام تركيا سوى بناء تحالف مع الأكراد أيضا.
وفي أحدث تقرير صادر عن مركز التقدم الأمريكي (CAP) بعنوان "الولايات المتحدة وتركيا والمناطق الكردية"، يقول "لقد حان الوقت للانخراط الإيجابي في عملية السلام بين تركيا وحزب العمال الكردستاني، ومعالجة الوضع الأمني بالعراق والحركة القومية الكردية المتنامية والحرب الأهلية في سوريا".
عدم مبالاة الجميع
يتساءل حسين إبش عضو المنظمة الأمريكية المستقلة "فريق العمل الأمريكي من أجل فلسطين"، لماذا الاستجابة الدولية والإقليمية لداعش تبدو غير مبالية وغامضة ومثيرة للقلق؟ صعود داعش وإعلان الخلافة، يثيران العديد من الأسئلة المحيرة التي لم يسبق أن أثيرت في الشرق الأوسط منذ فترة طويلة، ذلك لأنه التجسيد الأكثر تطرفا لتنظيم القاعدة، فضلا عن سيطرته على أراض في شمال شرق سوريا وغرب العراق تعادل حجم بلجيكا، إضافة للسيطرة على منشآت نفطية رئيسة ومدن كبرى بجانب تحقيق استقلال مالي، مع التوسع كل يوم دون أي رادع تقريبا.
داعش أصبح واجهة وعنوانا كبيرا للعديد من الجماعات الجهادية الأخرى، كما أنه أصبح خارج نطاق السيطرة.
ويشكل اليوم تهديدا كبيرا لمعظم الدول العربية وبالتحديد (نظام الدولة القومية) ذلك لأنه أشبه بـ "السرطان" الذي يزحف على الجسد العربي، ووصل بالفعل إلى لبنان.
ومع استمرار تفكك الدول العربية والفشل المنهجي في مواجهة داعش والجماعات التابعة له والمتعاطفة معه، فإن الفوضى والدمار وأسوأ عصور الحكم ظلامية والعصابات الإجرامية التي تمتلك إقطاعيات صغيرة مثل "حزب الله" في لبنان و"حماس" في غزة، سوف تتكاثر بسرعة في منطقة الشرق الأوسط وبشكل أكثر وحشية من ذي قبل، حيث أصبحت الكلمة الآن لأمراء الحروب الإرهابية في العالم العربي.
نيابة عن الجميع
الأدهى من ذلك هو أن هذه الفوضى التي تقف على الأبواب ستشكل تهديدا كبيرا للبلدان خارج المنطقة، فقد اجتذب داعش عددا لا يحصى من المقاتلين الأجانب ومن مختلف أنحاء العالم، الذين تجمعوا في سوريا والعراق وتلقوا تدريبا على المعارك وتمثل عودتهم لبلدانهم الأصلية كارثة محققة وعلى الدول الغربية الاستعداد لمواجهة (الفوضى)، خاصة وأن "داعش" حتى الآن لم يصنف على قائمة "الإرهاب الدولي".
ويبدو أن الولايات المتحدة لا ترى في داعش غير مجموعة من المتطرفين والمتعصبين الذين يمكن التحليق فوق رؤوسهم بطائرة دون طيار والتخلص منهم في أي وقت! لكن السؤال الأكبر: لماذا لم يتحرك أحد سواء إقليميا أو دوليا ولو كرد فعل ضد قوة داعش المتزايدة؟ هل تعتقد حكومات الدول حقا أنه ليس هناك ما ينبغي القيام به؟ إن غموض مواقف الدول جميعا والاستهتار بالأمر كله هو ما يؤكد أن داعش يعيد تشكيل المنطقة والعالم العربي بالتزكية (والوكالة) عن الجميع، وهو بالضبط ما يحدث الآن!