عندما ينصت العالم لصوت العقل والحكمة

اﻷصداء العالمية الواسعة لكلمة خادم الحرمين الشريفين، حفظه الله، والتي وجهها يوم الجمعة قبل الماضية للأمتين اﻹسلامية والعربية والمجتمع الدولي، تبرهن على الدور الريادي المبادر الذي تضطلع به المملكة، فكثيرا ما كانت مواقفها حاسمة وقراراتها موضع احترام العالم، لما يلمسه من صدق المواقف ووضوح الرؤية وخدمة السلم واﻷمن الدوليين.
وعندما يتحدث رجل المرحلة الملك عبدالله بن عبدالعزيز، فإن العالم يتطلع لصوت العقل والحكمة التي عُرف بها وعبّرت عنها كلماته بوضوح، فقد خاطب الضمائر الحيّة لتعمل على تحويل الشعارات إلى واقع تلمسه المجتمعات المفتونة في أمنها على يدي عصابات اتخذت الدين شعارا لممارساتها الدموية، وشوهت صورة الإسلام وقدمته للآخر بصورة تخالف واقعه ويسره وسماحته، ولم يقف ذلك على أفراد غُسلت أدمغتهم وانساقوا خلف شعارات براقة تدّعي الدين وهو بريء منها، بل خرجت في صورة تنظيمات وجماعات احتضنتها خنادق الإرهاب، وباتت تهدد أمن المجتمعات وسلامتها لتنفيذ مخططات وأجندة لها أطماعها ومراميها.
وأشد من ذلك (إرهاب الدولة) الذي تمارسه الصهيونية ضد الفلسطينيين وعلى أرضهم المغتصبة، وتمتلك اﻷدوات واﻷسلحة التخريبية أمام صمت العالم وتحت سمعه وبصره، مخالفةً بذلك جميع الأعراف والقيم الإنسانية، وقرارات الأمم المتحدة التي تنص على أن الاحتلال ومظاهره جريمة، وأكدت على حق الشعوب في النضال ضد الاحتلال ممارسةً بذلك حقها في تقرير المصير، كما جاء في إعلان الجمعية العمومية للأمم المتحدة في دورتها الثامنة والعشرين.
ويدخل تحت مسمى (إرهاب الدولة) تقديم الدعم إلى الأنظمة الاحتلالية والجماعات الإرهابية التي تستهدف الآمنين لفرض أمر واقع تراه تلك الجماعات أو من يدعمها، وهو أشد وأخطر أشكال الإرهاب، لأنه أداة العدوان الذي قد يكون ظاهرا أو مستترا خلف أقنعة الجماعات الإرهابية المأجورة، التي تنفذ مخططات مرسومة، وتستهدف الآمنين للوصول إلى أهدافها وتحقيق مآربها.
ولأن تلك الممارسات الشيطانية وجدت من يروّج لها ويتخذ من الدين شعارا يحاول من خلاله تمرير مخططات المغرضين والحاقدين الذين راحوا يلصقون بالدين ما ليس منه مستبيحة بذلك دماء معصومة، جاءت كلمة خادم الحرمين الشريفين لتضع الأمور في نصابها وتسمي الأشياء بمسمياتها.
لقد جاءت الكلمة في فترة حاسمة وحساسة تمر بها المنطقة العربية بل والعالم أجمع وهو يرى ضحايا الإرهاب المفزعة نتيجة تراخي بعض دوله عن الجماعات اﻹرهابية وأعمالها اﻹجرامية لتحقيق مكاسب وقتية لا تقاس أمام النتائج الدموية التي تقترفها تلك الجماعات، بينما كانت المملكة ولا تزال تحارب اﻹرهاب بشتى صوره وعلى أكثر من ميدان، وكانت أفعالها تسبق أقوالها في كل موقف، وحينما دعا خادم الحرمين الشريفين في كلمته قادة العالم الإسلامي وعلماءه للقيام بدورهم في قول الحق وكشف سوداوية الإرهاب فإن المملكة قامت بجهد كبير في هذا الجانب شهد به العالم بأسره حيث أعلنت الحرب على الفئة الضالة إجلاءً للصورة الحقيقية للدين اﻹسلامي الصحيح وحفاظا على أمن الوطن والمواطن والمقيم، ودعت لمؤتمر عالمي احتضنته العاصمة الرياض لمحاربة الفكر المتطرف وطرحت فيه مبادرة إنشاء مركز دولي لمكافحة اﻹرهاب.
وأعادت كلمة الملك أيده الله هذه المبادرة إلى الواجهة من جديد وبينت بوضوح عدم تفاعل المجتمع الدولي بشكل جدي لإنشاء المركز، ما سيكلف القوى المتخاذلة عن الوقوف ضد الإرهاب ثمنا باهظا وستكتشف أن صمتها وتراخيها سيحمّلها ما يفوق المصالح التي تذهب بانتهاء توقيتها، فهل يثوب الغافلون والمحتضنون لقوى وتنظيمات الشر إلى رشدهم؟!