كلمات (قلبنا عاليها واطيها) عبثا وطغيانا!

ثمة ما يسمى في أحد مناهج النقد اللغوي بـ (الإجبار الركني)، والذي يحدث بين عناصر التأليف في اللغة، حيث يفرض العنصر الأول نفسه وتأثيره على الثاني، مقررا وجوده، فإذا قلنا (المسجد الحرام) مثلا: فإننا نستدعي إلى ركن هذا الدال عدة دوال أخرى: (الكعبة - مقام إبراهيم - العمرة..).
وبعد ذلك يزداد حضور وتأثير بعض ألفاظ اللغة بحسب قوة أمدائها التاريخية وأصدائها الإيحائية.
ما قادني إلى هذا التداعي اللغوي، هو إجبار الذهنية الجمعية لدينا ألفاظ اللغة، على التخلي عن مدلولاتها وإيحاءاتها الإيجابية أو الجميلة، بسبب المأزق الذي (وضعتنا) فيه تخبطات الكثير من خطاباتنا الدينية والثقافية والاجتماعية أو مؤسساتنا الحكومية في انفتاحها اللغوي على الآخرين من المنتفعين بعمل هذه المؤسسات.
دعونا نستقرئ هذا التخريب الموجع، الذي أربكنا به اللغة، و(عطلنا) أجمل القيم الدينية والإنسانية والجمالية، التي اتخذت من ألفاظ اللغة رموزا لها:
1/الليل: مفردة تستدعي تأثيرات الهدوء والاطمئنان والستر والسكينة واجتماع الأسر حول مدفأة عتيقة، أو طاولة معتقة بالحنين.. ولكنها تحولت لدينا إلى هياج من الصخب والجنون، وضجيج من الازدحامات والاختناقات المرورية.. فمن الليل المطمئن للمفعمين بغناء الروح مع أرواحها (المجندة)، إلى ليل المهووسين بالضجيج والبحث عن الذات الغائبة في الدروب المتوترة!
2/ (أمانة) كلمة تتعالق - بطبيعة الحال - مع قيم دينية وإنسانية عظيمة.. قال تعالى: «قالت يا أبت استأجره، إن خير من استأجرت القوي الأمين»، ولكنها تتعالق مع أحوال مجتمعنا بـ (أمانات) المدن الزاخرة بالكوارث والسيول والفساد!
3/ كلمة (مشروع) ترتبط في كل الثقافات والفضاءات بالنهضة والتطوير، ولكن.. ألا يتبادر إلى أذهاننا مباشرة عند النطق بهذه الكلمة: (التأخير).. (تحويلات الشوارع).. (الاختناق المروري).. (الفساد الإداري)!؟
4/ (مطار) هو حافة الدنيا، والحواف دائما هي مواطن العشق.. حافة البحر حيث الشاطئ.. التقاء الماء بالأرض.. جدل المتحرك بالساكن.. وهكذا، (المطار) نقطة التقاء الداخل بالخارج.. حافة فاصلة بين الإقامة والرحيل.. الوطن والآخر الغريب.. منه ننطلق وإليه نعود، لنجدد علاقاتنا بالمكان والحياة والبشر.. ولكن هل تحضر بعض تلك التداعيات عند استحضار مفردة (مطار) في الواقع المأزوم؟!
ألا يرتبط (المطار) لدينا بالسؤال الحاسم: «من عنده واسطة للحجز!؟» وبتأخر مواعيد إقلاع ووصول الرحلات السعودية، وبطوابير الانتظار والعراك حول بلوغ (كاونترات) بطاقات صعود الطائرة، وبالتعامل الأرعن من موظفي الخطوط السعودية، وخاصة في المطار المركزي المجاور للبحر!؟
5/ مفردة (صحوة) يتبعها عادة الاستيقاظ من السكون.. (الغدوة) المباركة نحو العمل الخلاق.. الانتقال المشروع من (الذات) إلى (الآخر).. ولكن كل تلك الدلالات اختفت بمجرد سطوع نجم ما يسمى بـ(الصحوة)، والتي زعم أصحابها أن هدفهم هو إيقاظ المجتمع من غفوته الثقيلة الآثمة، لصحوة دينية واهمة في مجتمع متدين (أصلا)، من أجل الحصول على مكتسبات سلطوية، وتحقيق أجندات (الإسلام السياسي) بدعم (الإخوان) الذين كانوا (مصهللين) بالجوار.
6/ كلمة (داعية) ارتبطت في وجداننا القديم بشخصيات طيبة مباركة، اكتسبت حظا وافرا من التعليم، ثم قررت أن تسافر إلى البلدان حديثة العهد بالإسلام لإكساب مجتمعاتها فوائد ومعلومات مهمة عن غايات الإسلام وشروطه، بعمل ذاتي مخلص الأهداف والوسائل. ولكن (الكلمة) الآن ارتبطت بالدعاة (الداخليين)، الذين ترتبط دعوتهم بالإعلان الإعلامي والنفع الذاتي وتهييج الشباب لترقب الحور العين في مناطق التوترات السياسية، وتوثيق العلاقات مع الدعويين الذين ينتمون إلى حركات إسلاموية عريقة التطرف وسياسية الأهداف!
7/ كلمة (مثقف) مفردة تشير إلى الإنسان الذي يمتلك قدرا وافرا من المكون المعلوماتي، والرؤى الخاصة للكون والإنسان والحياة. (المثقف) هو النظرية، وهو القدرة الذهنية على الاستفادة من المعطيات الكونية لصالح الإنسان، وهو الممارسة المشروعة للشواهد المعرفية والجمالية من أجناس شعرية ونثرية وثقافية شتى.. ولكن (المثقف) في ذاكرتنا الآنية ارتبط مباشرة بالعلمانية والليبرالية والروايات الخادشة للحياء، والقصائد الممعنة في الغموض المريب، صوب فندق (الماريوت) في العاصمة الرياض، للبحث عن دسائس خزي وعار، تعلن آثامها على منابر الجمع أواخر الأسبوع!
8/ (الحداثة) مصطلح يشير إلى التحديث والتجديد الذي يتسق مع حركة الزمن الحتمية، منذ (ماء الملام) الذي عافه أبو تمام، وإلى شعراء قصيدة النثر والنص الكولاجي الجديد والحداثة الرقمية المعلوماتية.. أما (الحداثة) في ذهنيتنا الجمعية الطاغية فإنها تشير إلى الاجتراء الآثم على الثوابت المقدسة، والتعارض مع الدين، فهي التغريب والعلمنة والضلال.. هي شعراء الثمانينات ونقاد (الخطيئة).. هي الأسماء (المئوية) التي حشدها إنسان (غابر) ذات (إرهاب) في مؤلفه، كرموز لتلك الحداثة المارقة الماجنة!.