العتاب الملكي للعلماء
الجمعة، ٨ أغسطس ٢٠١٤
في الأسبوع المنصرم استمعنا لكلمة أبوية من خادم الحرمين تحدث فيها عن بعض هموم المسلمين ثم عرج على الذين يشوهون الإسلام ويزعمون أنهم ينصرونه بنشرهم صوراً ومقاطع تتضمن أموراً منكرة من صنوف القتل والذبح للمسلمين، وبعفوية جميلة انتقل خطاب الملك للعلماء والفقهاء قائلاً لهم بواجبكم ولا تتكاسلوا وطلب منهم بذل الجهد والطاقة لنصيحة هؤلاء ونشر تعاليم الإسلام الصحيحة وليس الباطلة.
هذه العتاب قوبل بتحليلات ومقالات مطولة من أشخاص تختلف توجهاتهم، وقد أعجبني الحراك الفكري والدوي الجميل لهذا الخطاب، وانقدحت في أذهان الناس أسئلة متطايرة تحتاج لمقالات وحوارات للجواب عنها، ومنها على سبيل المثال: هل العلماء متكاسلون فعلاً؟ وهل الغلو نتيجة للخطاب الديني أم لعوامل أخرى؟ وهل الوزارات المعنية بعلوم الشريعة والدعوة والعلماء تقوم بدورها؟.
وليست تلك الإشكالات إلا نتيجة لما نشاهده اليوم من تشويه لصورة الإسلام عبر قنوات فضائية أو وسائل اليكترونية سواء من محسوبين على الدعوة أو مضادين لها، وحتى لا نكون بعيدين عن الواقع فإني سأطرح نقاطاً سريعة:
1 - في ظل تسارع الأحداث وتطور الحضارة وتقدم وسائل التواصل لماذا يستغرق فسح المحاضرات والكلمات في المساجد شهوراً حتى يمل العلماء من طول الانتظار وعدم تجاوب الوزارة بشفافية أو عصرية تقنية، مع أن الوزارة وموظفيها قد أحالوا كثيراً من الهموم مثل التنسيق والدعاية والتكاليف على المكاتب التعاونية الخيرية.
2 - تحتضن السعودية مكنزاً ضخماً من دروس ومحاضرات الحرمين الشريفين، ويعد المخزون بمئات الألوف من الساعات المصورة أو المسموعة وتوزيعها يتم بصورة مباشرة فقط، وقد أشرت لذلك في مقالة سابقة بعنوان الثروة المهدرة، فمن يتحمل عدم نشرها وإبرازها للملايين من المسلمين عبر القنوات والصحافة وغيرها؟ هل اللوم على وزارة الإعلام أو على رئاسة شؤون الحرمين أم على الجمعيات الخيرية التي تهتم بالعلم ونشره؟
3 - قبل بضع سنوات أصدر خادم الحرمين قراراً ملكياً نشر في جميع وسائل الإعلام بفتح مكاتب للإفتاء في جميع مناطق المملكة ومع ذلك لم يتم تطبيقه في بعض المناطق الكبرى فقط وبدون دعاية للمشروع وتعريف لأهميته.
4 - ليس يخفى على أي مبتدئ في طلب العلم مقولة الإمام الشافعي رحمه الله «الليث بن سعد عالم مصر أفقه من مالك عالم المدينة ولكن مالك قام به طلابه فانتشر مذهبه»، فهل لدى الوزارة برامج مشهورة لتكريم وإبراز العلماء للعالم الإسلامي وهم بحمد الله بالمئات في دولتنا المترامية الأطراف.
5 - لماذا أصبح طلبة العلم لا يعرفون الطريق إلى مكاتب وزارة الشؤون الإسلامية والإفتاء إلا نادراً، هل تحولت مكاتبهم إلى قلاع حصينة أم أنهم شغلوا عن مقابلة الجمهور بأمور إدارية، ووجود العلاقة الدائمة بين رموز الدعوة الرسميين وبين عموم العلماء والدعاة المحتسبين مهم جداً.
6 - هل لدى الجهات الشرعية مكاتب للدفاع عن العلماء الرسميين أو المتعاونين معها أمام حملات التشويه أو السب والشتم والقدح، ولا شك أن ثمة فروقاً بين التقديس المنهي عنه والغلو وبين حفظ مكانتهم في المجتمع بأن تكون وزارتهم الأولى وزارة الشؤون الإسلامية هي أول من يدافع عنهم من ظلم وتطاول السفهاء العلني سواء المكتوب أو المرئي، سواء كان دفاعاً معنوياً أو إقامة محامين يتابعون أولئك الذين يستطيلون في أعراض العلماء بدون وجه حق، وقديماً قال الشاعر إن المعلم والطبيب كلاهما.. لا ينصحان إذا هما لم يكرما.
7 - ليس المنع للغلاة أو المميعين هو الأسلوب الوحيد فالوصول للناس والجماهير أصبح أسهل بكثير، فلماذا لا تبادر الوزارات الشرعية بالرد على هذا الفكر المنحرف أو الخطاب الغالي كما كان يفعل العلماء قديماً عندما ظهرت موجات الإرجاء أو الدعوة للمظاهرات، ولا تكتفي بالحوقلة أو وضع برامج ضعيفة وغير مجدية فعلاً؟.
قبل الختام: هل الأجهزة الشرعية الرسمية والخيرية تقيس مستوى تطورها ووصول خطابها للمجتمع ومدى قبول خطابها عبر مقاييس صحيحة، أم أنها تكتفي بمقولة لا أريكم إلا ما أرى؟.