4 سيناريوهات لملامح الحرب الباردة الجديدة

التصعيد الغربي بقيادة الولايات المتحدة مع روسيا يمثل مرحلة جديدة في العلاقات الدولية، ويعد نقطة تحول باتجاه عودة الحرب الباردة بين الغرب والشرق. ففي حديث الرئيس الأمريكي باراك أوباما لمجلة «إيكونوميست» في عددها الجديد قال «يجب أن تكون واشنطن واثقة من أن تصعيد التوتر مع روسيا لن يصل إلى درجة ظهور أسلحة نووية أثناء النقاش حول مسائل السياسة الخارجية.
ويجب على الولايات المتحدة الاستعداد للرد بحزم على التحديات الإقليمية النابعة من روسيا.
لا سيما وأن الرئيس بوتين يمثل عامل توتر جدي قد يهدد روسيا على المدى الطويل، رغم شعبيته السياسية داخل روسيا».

 

تحديات قديمة

يتزامن حديث أوباما مع الذكرى الخامسة والستين (1949 ـ 2014) لنشأة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، حيث أصبحت روسيا وأوكرانيا والشرق الأوسط على قائمة التحديات الجديدة التي يواجهها الحلف، لكن تحركات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أوكرانيا مؤخرا رسخت القناعة بأن التحديات القديمة ما زالت موجودة، وهو الموضوع الرئيس على جدول أعمال (قمة الناتو: الاستراتيجيات المستقبلية) المقرر عقدها بويلز في 4 و5 سبتمبر 2014.
وحسب تصريحات الأمين العام لحلف شمال الأطلسي أندريه راسموسن، سيناقش الحلف خطة عمل جديدة من شأنها الاستجابة السريعة للأزمات في أوكرانيا وسوريا والعراق.

 

أجواء باردة

معروف أن الناتو هو أقوى تحالف دفاعي إقليمي في العالم، وأن الولايات المتحدة هي القوة العسكرية المهيمنة عليه منذ تأسيسه في 4 أبريل 1949 وحتى اليوم، وأن ظهوره ارتبط بمواجهة خطر التوسع الشيوعي (حلف وارسو) الذي أعقب الحرب العالمية الثانية 1949، عندما سعى الاتحاد السوفياتي السابق إلى بسط نفوذه على كل أوروبا.
أما دوره الأساسي فهو: طمأنة الحلفاء الذين يشعرون بالتهديد فضلا عن ردع أي اعتداء من روسيا أو أي دولة أخرى.
أجواء الحرب الباردة (1949 – 1989) جلبتها أزمة أوكرانيا هذا العام، ومن ثم أصبح على الحلف أن يعيد ترتيب الأولويات والاستعداد للتحديات القديمة والجديدة التي تمليها هذه الأحداث الجديدة.
ويبدو أن «نقطة التحول» الجديدة في سياسة الناتو دشنت في مايو الماضي 2014 خلال اجتماع وزراء دفاع الحلف في بروكسل حين أعلن الجنرال الأمريكي فيليب بريدلوف «نحن بصدد قرار حاسم بخصوص كيفية مجابهة جار عدواني على المدى الطويل».
إنها (روسيا بوتين) المتهمة بانتهاك حدود دولة ذات سيادة وزعزعة استقرارها وتهديد الجزء الشرقي من حلف شمال الأطلسي.

 

سيناريوهات حديث أوباما

1- حديث أوباما لمجلة «إيكونوميست» هو الأهم والأخطر منذ وصوله للبيت الأبيض قبل ست سنوات، ورغم أنه أكد أن هذه ليست بداية حرب باردة جديدة، فإن اتجاهات السياسة العالمية الحالية تشير إلى خلاف ذلك.
ويكفي أن نعرف أن الولايات المتحدة والناتو مصران على أن تدفع (روسيا بوتين) ثمن أفعالها في أوكرانيا، وأن المشكلة – التي يتم تدارسها الآن في سرية تامة - هي أن انتزاع هذا الثمن من روسيا قد لا يكون ذاته بلا ثمن، على العكس قد يكون هذا الثمن مكلفا جدا وبنفس القدر للولايات المتحدة وحلفائها.

2- الصراع بين الولايات المتحدة وروسيا حول أوكرانيا يشكل أهمية كبرى بالنسبة للعالم بوجه عام ودول أوروبا الغربية والوسطى بصفة خاصة.
وعلى الرغم من أن اندلاع مواجهة عسكرية مستمرة على طول الحدود الشرقية لحلف الأطلسي مع روسيا قد تكون «مستبعدة»، أو محدودة الأثر مقارنة بالمواجهة أثناء الحرب الباردة مع حلف وارسو، فإن أمن أوروبا، من الآن وصاعدا، ليس كما كان قبل 2014.
فقد تؤدي أجواء الصراع بين الولايات المتحدة وروسيا لتعزيز موقف الولايات المتحدة في مواجهة حلفائها سواء في أوروبا أو آسيا، وانتعاش البيئة العدائية تجاه روسيا في أي مكان من أوراسيا (قارتي أوروبا وآسيا).
وحتى حلفاء روسيا المترددين سيتوخون الحذر غالبا في التعامل مع أمريكا، وستصبح محاولات التقارب بين روسيا في أمريكا اللاتينية وبعض دول الشرق الأوسط في آسيا لا سيما دول البريكس، ضئيلة الأهمية.
وبعبارة أخري فإن المخاوف الأمنية ستنعكس مباشرة وبشكل أسرع على الجوانب الاقتصادية، خاصة مشتريات الاتحاد الأوروبي من الغاز والنفط الروسيين، وهو ما سيؤدي إلى اهتزاز الثقة بين روسيا وأوروبا وإلغاء فكرة الفضاء الاقتصادي - التجاري الأوراسي المشترك فضلا عن دول البريكس.

3- في المقابل فإن الثمن الذي ستدفعه روسيا نتيجة عقوبات الغرب، قد يؤدي من ناحية لتوثيق العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وأمريكا في إطار الحلف وهو ما سيتم التوقيع عليه في سبتمبر المقبل، وإلى تعزيز قناعة بوتين والقوميين الروس بأن مستقبل روسيا لا يكمن في الغرب، بل في الشرق، عن طريق تحويل صادرات روسيا من الطاقة والمواد الخام باتجاه آسيا والصين.

4- هذا التحول، الذي يعيد أجزاء الحرب الباردة بين الشرق والغرب، سينعكس بدوره على دول آسيا تحديدا والتي ستصطف من جديد خلف خنادقها القديمة المهملة منذ نهاية الحرب الباردة 1989، إذ سيتأكد تحالف اليابان وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة ويتمثل ذلك في الحد من التجارة مع روسيا، فيما ستزداد أهمية كوريا الشمالية والصين لروسيا لا سيما حصول الصين على ما تحتاجه من الطاقة والتكنولوجيا العسكرية الروسية، وهو ما يتم تدارس أبعاده المختلفة في الغرب الآن وتداعياته على المديين القريب والبعيد.