المشاركة الشعبية خلاصنا الوحيد

مع زخم الأحداث المتسارعة والمستجدة من حولنا نغرق لا إراديا في تفاصيلها وتستغرق اهتمامنا ووقتنا دون أن نشعر بذلك، هي أشياء بديهية عندما يسيطر علينا وجداننا ونشاطر إخوتنا العرب في العراق وفي سوريا وفي فلسطين آلامهم وأوجاعهم ومآسيهم، وهذا كما قلت يجعلنا نغرق في المشكلات المحيطة بنا دون أن نعطي بلدنا شيئا قليلا من وقتنا.
اليوم أبرز التهديدات التي تحيط بنا ونتفاعل معها ونحذر منها تتلخص في ثلاثة محاور، أولها الشراكة مع الولايات المتحدة، فليس سرا عندما نقول إن المنطقة العربية هي منطقة تقبع تحت النفوذ الأمريكي، والأساطيل والقواعد العسكرية الأمريكية تحيط بنا، لكن حقيقة لا أحد يعلم ما هي نظرة الإدارة الأمريكية للمنطقة حاليا، وما هو مشروعها الجديد؟! وأنا ذكرت في مقالة نشرت هنا تحت عنوان «أمريكا تؤجج حربا طائفية في المنطقة» ودللت على فرضيتي هذه، وما يعزز هذه الفرضية هو البرود الذي تمر به علاقة واشنطن بالرياض منذ منتصف العام الماضي. وأن أمريكا تسعى لمنح إيران مزيدا من النفوذ في منطقة الخليج العربي وتغض الطرف عن تضخم تنظيم داعش وذلك على حساب حلفائها التقليديين في المنطقة. أما المحور الثاني وهو تنامي نفوذ إيران في المنطقة وسط ترحيب أمريكي صريح، وهذا بلا شك يخضع لشروط للمحور السابق ويعد أحد أبرز إفرازاته، ألا وهو الشراكة مع الولايات المتحدة. فمن المعروف أن إيران تقبع تحت حكم الإسلام السياسي الشيعي الموغل في التخلف والتطرف ويبحث عن النفوذ من خلال المظلوميات والتحالف مع الأقليات الشيعية في المنطقة. والتحدي الثالث يكمن في تضخم دور التنظيم السلفي المتطرف «داعش» الذي أعلن عن الخلافة في أوائل الشهر الماضي، ومن المعروف أن هذا التنظيم مخترق من قبل حلفاء إيران النظام الطائفي في العراق ونظام الأسد. ويستخدم الأدبيات السلفية والشباب الجاهل والمحبط لتحقيق غاياته في ضرب المناطق والمكونات السنية بذات النتاج الفكري والأيدلوجي الذي طالما تعايشنا معه منذ عقود.
هذه المنظومة المعقدة والمتداخلة من التحديات تتلخص في جملة واحدة محددة ومختصرة وهي: «أمريكا تستخدم التطرف الشيعي والتطرف السني لشرذمة الأمة من أجل حماية مصالحها وحماية إسرائيل» ويكمن سر السياسة الخارجية الأمريكية ليس في قدرتها على خلق أصدقاء وحلفاء لها بل في قدرتها على خلق عدو لها يجعل كل من حوله يرتمي في أحضانها ويتبنى مضمونها. وطالما أن هذه التهديدات تخضع لتحدي واضح وبارز وهو إدارة أمريكا للمنطقة فيعني أن أي تعامل مع هذه التهديدات هو من سبيل رد الفعل الثانوي، ولا يعدو كونه حلا موقتا للتهديد، فمثلا تجريم الانضمام لداعش أو خلق صحوات في العراق أو البحث عن حليف في سوريا ضد حلفاء إيران أو دعم الوضع القائم في بلد ما ولو على حساب آمال وتطلعات شعبه، فهذا كله من اللهث السياسي الذي لا طائل من ورائه. فليس هناك إلا حل واحد وجذري وهو تعزيز الجبهة الداخلية وتحصينها من خلال توسيع المشاركة الشعبية في صناعة القرار والقضاء على الفساد من خلال سن قوانين وتشريعات تكفل الرقابة الشعبية وسيادة القضاء على الأجهزة التنفيذية وكتابة دستور يعيد صياغة علاقة المجتمع بالنظام السياسي ويحدد صلاحيات كل سلطة ويتضمن توسيع صلاحيات السلطة التشريعية، وحتى على المستوى الإقليمي لن يجعل الإدارة الأمريكية تعيد حساباتها دون وجود اتحاد خليجي كونفدرالي قوي ويحظى بمشاركة شعبية واسعة. وتوسيع دور وصلاحيات الجامعة العربية وتحويلها إلى اتحاد عربي يسعى إلى أن يكون له مقعد دائم في مجلس الأمن وكلمة نافذة في الأمم المتحدة.
هل أنا أحلم؟! طبعا لا هذه هي خارطة الطريق الوحيدة الفاعلة لمواجهة التلاعب الأمريكي بالمنطقة وخلق الصراعات لخدمة حساباتها الخاصة، قد يقول قائل هذه أحلام محض هراء، فأقول هذه تركيا ودول أمريكا اللاتينية تحولت من أداة بيد أمريكا إلى قوى مستقلة خلقت لنفسها مكانا بين الأمم.