التعددية الدينية تفقد هيبتها
الثلاثاء، ٥ أغسطس ٢٠١٤
في الماضي كان العراق من أكثر الدول على مستوى الشرق الأوسط التي تضم مجتمعات متعددة الثقافات، حيث شهدت ربوعه عددا من الأديان والمذاهب والأعراق والثقافات المختلفة، جميعها يوحدها إرث وتقاليد مشتركة، كما أن هناك مجتمعات عدة ما زالت موجودة حتى اليوم، لكن بينما يتوغل مقاتلو الدولة الإسلامية داخل العراق تتعرض التعددية الاجتماعية إلى التراجع.
والأمر الخفي في تاريخ العراق عن مختلف شعوب العالم، استيطان سلالات وجماعات دينية لأرضه يبلغ عددها نحو30 جماعة عرقية ودينية، منها جماعة شاكتيزم (طائفة هندوسية)، واليزيدية، وأقليات أفريقية، وأكثر من عشر طوائف مسيحية، وجالية يهودية، وعدة ديانات قديمة.
وكان من أكثر الأمور المؤلمة والصادمة ليهود العراق هجرة جماعات منهم، فخلال عقدين فقط اختفت الأقلية اليهودية العراقية البالغ عددها 120,000، والذين يعود تاريخهم إلى أكثر من 26 قرنا، حيث قتل عدد منهم في هجمات واعتداءات منذ خمسينات القرن الماضي، ولم تتضح بعد الظروف الدقيقة لهذه الحلقة المظلمة في تاريخ العراق، وما زال أصل التفجيرات والترهيب الذي تعرضت له الأقلية العراقية غامضا.
واليوم فإن التاريخ يعيد نفسه، فقد انخفض عدد الأقلية المسيحية من 1.5 مليون إلى حوالي 350.000 في العقد الأخير، كما طرد المسيحيون من الموصل، وقامت الدولة الإسلامية بتدمير الأماكن المسيحية المقدسة.
وحال الأقليات الأخرى مشابه للأقلية المسيحية، إذ اضطرت طائفة الصابئة المندائيين - إحدى الجماعات من السكان الأصليين للعراق- إلى الهجرة من العراق بشكل متزايد، الأمر الذي أدى إلى تدني أعدادها بشكل ملحوظ في العقود الأخيرة، فلم يبق من تلك الجماعات سوى 5000 فقط في العراق من إجمالي 70000، وانتشر البقية حول دول عدة من ضمنها أستراليا.
والأقليات الغير مسلمة هم الفئة الوحيدة المضطهدة في جميع مناطق العراق،فالسنة والشيعة مضطهدون في الأماكن التي يشكلون فيها أقلية،حيث قتلت ميليشيا الدولة الإسلامية عددا كبيرا من الشيعة الأتراك وطائفة شبك الذين كانوا يعيشون بالقرب من الموصل، وكان من ضمن من قتلتهم عدد من الأطفال والنساء، بالإضافة إلى أن الدولة الإسلامية انتهكت عددا من جرائم الإبادة في حق السنة الذين يعارضون إيديولوجيتها وممارساتها المتطرفة، كما أدت إلى هجر المئات والألوف من الأقليات المختلفة لمنازلهم وأحيائهم في المناطق التي تسيطر عليها، حتى باتوا اليوم يعيشون في أوضاع سيئة وفي أماكن متاخمة لمناطق النزاع.
يشار إلى أن هوية العراق ارتبطت بتعددية جماعاته وأقلياته العرقية، والأماكن التاريخية التي هدمتها الدولة الإسلامية تعد أكثر من كونها أماكن سياحية، حيث كانت تقف شاهد عيان على التسامح والتعايش السلمي لبلد كان في السابق غني بالثقافات واللغات المتعددة.