سلطة "العيب".. الثابت الذي لم يتغير
الثلاثاء، ٥ أغسطس ٢٠١٤
حين يصل الفرد إلى أن يجعل الفرد الآخر المعيار والرقيب، وحين يصل الأمر بهذا الفرد إلى تكييف الأقوال والأفعال الصادرة عنه لتكون ملائمة ومتماهية مع ما يريده ويطلبه ويقبله المحيط الاجتماعي، وحين يكون هذا الاعتبار هو الموجّه للسلوك الإنساني فإن ذلك يمثل مشكلة كبرى.
وتبدو هذه المشكلة أكثر عمقًا كلما كان مستوى الوعي في الوسط الاجتماعي دون المطلوب، وحينما تقل المعرفة، ويكون المجتمع أقرب إلى التكوينات القبلية والعشائرية منه إلى النظام المدني، وعندها تكون القناعات والأفكار والمحددات مستمدة من العُرف ومما هو سائد وكائن لا مما ينبغي أن يكون.
والحقيقة أن هذا السلوك الإنساني له آثاره الشخصية والاجتماعية المتمثلة في تكوين شخصية تابعة وغير مستقلة ولا مفكرة، وهي شخصية ليست لديها الجرأة على أن تختار أو تحدد المسار أو الرأي الذي تريده، وإنما محكومة بإطار قيمي ضيق لا تستطيع أن تحيد عنه، قد يتعارض في كثير من مكوناته وأدبياته مع الشرع والمنطق.
وإذا ما نظرنا إلى كثير من مشكلاتنا الاجتماعية والتنموية فسنجد أن هذه السلطة (العيب) هي التي فرضتها؛ فعلى سبيل المثال يتحول حصول المرأة على نصيبها من الإرث لدى شريحة كبيرة من مكونات مجتمعنا السعودي وفق مفاهيم اجتماعية لا أساس لها إلى «عيب»، وهنا تضطر المرأة إلى ترك نصيبها مكرهة لا مختارة؛ إذ ستكون حديث المجالس حين تجرؤ على أن تأخذ ما أحل الله لها، وسيظل هذا الفعل الشنيع (وفق هذا المنظور) وصمة عار في جبينها وجبين أسرتها، ومن هنا فإنها تختار الطريق الأسهل وتتنازل عن حقها المشروع.
وحين نبحث عن الأسباب الحقيقية وراء بعض الظواهر المتصلة بالتنمية كظاهرة البطالة وتعثر مشروع توطين الوظائف مثلا سنجد هذه السلطة سببًا رئيسًا لذلك، فالعزوف عن الأعمال الحرفية والمهنية التي تدر دخلاً كبيرًا، وكذلك بعض الأعمال الحرة وجميعها أعمال شريفة وفيها مجال كبير لأن تكون منطلقًا للشاب لحياة كريمة هو نتيجة لهذا الضغط الاجتماعي الشديد.
كما أن لهذه السلطة أثرها العلمي والثقافي والفكري؛ إذ قد يحجم كثير من المبدعين والمفكرين عن البوح بأفكار تبدو في ظاهرها تخالف السائد مع أن من شأنها الرقي بالحياة والمجتمع ويعزفون عن إعلانها على الملأ أو طرحها على الجهة المعنية على الرغم من الإيمان التام بأهميتها وقيمتها وأثرها.
ولإدراك أثر سلطة «العيب» على الفرد يكفي أن أشير إلى أن أثر هذه السلطة يتجاوز في كثير من الأحيان سلطة الدِّين؛ إذ تجد من يستمرئ السرقة مثلا ويجرؤ عليها لأنها تصرُّف في الخفاء وهو لا يجرؤ على أن يواجه تكوينه الاجتماعي بالعمل في سوق للخضراوات أو مطعم، وحينما يسائل كل منا نفسه عن مواقفها وقناعاتها تجاه عدد من القضايا ويصدق في هذه المساءلة سيجد أن هذا المارد الخفي (العيب) سبب ومنطلق للعديد من المواقف والتصورات.
إن المرحلة التي تشهدها المملكة العربية السعودية بما فيها من تحولات أصبح العالم فيها قرية صغيرة وثورة للاتصالات مرحلة كفيلة بتغيير بعض القناعات والقيم وهو تغيير يبدو تدريجيًّا، غير أن هذه السلطة «العيب» واصلت صمودها وظلت تقاوم بشدة رغم كل هذه التحولات، ولعل هذا الصمود بسبب تعلق هذه السلطة وارتباطها بـ»التكوين».
وهذه السلطة لا يمكن اجتثاثها تمامًا، وإنما يمكن الحد منها بشكل تدريجي وممنهج، وذلك بالتوعية بأهمية ألا يتحكم بنا العُرف السلبي إلى هذه الدرجة، وهو واجب التعليم (العام والعالي)، كما هو واجب خطيب الجمعة، وهو – أيضًا - واجب البيت قبل هذا كله، وواجب المؤسسات الوطنية والإعلامية على اختلافها من خلال التذكير بالنماذج الناجحة في هذا الإطار في مختلف الحضارات والاحتفاء بالنماذج المشرفة في هذا المجال ممن استطاعوا أن يتجاوزوا هذه السلطة ويؤكدوا نجاحاتهم، كما أن تخصيص أسبوع في العام، أو إقامة بعض الحملات التوعوية المخطط لها تخطيطًا جيدًا يمكن أن تكون من الأفكار التي تأتي في سياق معالجة هذه المشكلة.
كما أن مشاركة علماء النفس والاجتماع في دراسة أسباب هذه المشكلة وطرق علاجها وإيمان كل فرد من أفراد المجتمع بأن هذه مشكلة حقيقية لها آثارها التنموية والفكرية والسلوكية السلبية والعمل على استغلال مختلف القنوات والأدوات للحد من سيطرة هذه السلطة على السلوك الإنساني خطوات في الاتجاه الصحيح.